المسرحيات القصيرة->المسرحيات السياسية
الطابور الخامس

في قاعة محكمة الجنايات- تزدحم القاعة بجمهور كبير من النظارة- المتهم في قفص الاتهام وشهود الإثبات وشهود النفي في أماكنهم من الصفوف الأولى عقب افتتاح الجلسة بقليل وبعد أن فرغ كاتب الجلسة من تلاوة قرار الاتهام.

الرئيس(للمتهم) أجبني ايزاك كوهين هل تعترف بقتل جدك المسيو موسيه حائم؟

المتهم: كلا يا سيدي

الرئيس: ليتفضل ممثل النيابة.

النائب: يا حضرات المستشارين. أمامنا اليوم جريمة وحشية بشعة تقشعر منها الأبدان وتشمئز منها النفوس وتتمزق لها وشائج الرحم التي أمر الله بها أن توصل.. جريمة ذهب ضحيتها شيخ كبير في الخامسة والسبعين.. في تلك السن التي يعترف فيها المرء بعجزه وذهاب قوته، فيتكل كل الاتكال على من حوله من أهله وقرابته في كل ما يتعلق برعايته وحمايته في القليل الباقي من أيام حياته.. وكان الجاني فيها شاباً مدلاً بقوته هو سبط ذلك الشيخ القتيل! تصوروا هول هذه الجريمة وشناعتها.. إذ يعمد شاب في الخامسة والعشرين إلى جده الهرم فيحمله بيديه القويتين ويرمي به من الدور الرابع ليتحطم على الأرض وتتمزق أشلاؤه! انظروا معي يا حضرات السادة إلى وجه هذا المتهم وتأملوا فيه جيداً فلن يعجزكم أن تروا على قسماته التي تكسوها القسوة آثاراً ندية من قبلات ذلك الشيخ الصريع!

يا حضرات المستشارين لقد وجدوا في قبضة يد القتيل شعرات من رأس المتهم. فليت شعري هل فعل الشيخ ذلك من حلاوة الروح ليتمسك بتلك الشعرات من السقوط؟

أم عز عليه وهو يودع الحياة ذلك الوداع المرير ألا يتزود بتذكار من سبطه الحبيب فلم يجد بين يديه في تلك اللحظة المفاجئة إلا تلك الشعيرات؟

يا حضرات المستشارين إني أطالبكم بتوقيع أقسى العقوبات على المتهم تحقيقاً للعدالة وليكون عبرة لغيره (يجلس) –(ينهض محامي المتهم)

المحامي: يا حضرات المستشارين. حقاً إنها لتكون جريمة أبشع وأفظع مما وصف حضرة النائب ويكون أقل عقوبة لها الشنق. لو أمكن إثباتها على هذا السبط البريء الواقف في قفص الاتهام. إن الرحمة لا ينبغي أن توصد أبوابها أمام أقسى المجرمين فما بالكم بهذا الشاب الوديع الحزين الذي فوجئ وهو في غمرة حزنه على جده باتهامه بأنه هو الذي تسبب في قتل ذلك الجد الطيب.

إنها يا حضرات المستشارين لحادثة انتحار واضحة المعالم من شيخ كبير تهدمت أعصابه أخيراً فصار يهذي بأقوال غريبة تكشف عن اضطراب نفسه وتزلزل كيانه وشعوره بذلك القلق. وخانه التماسك في لحظة غفل فيها أهله فرمى بنفسه من ذلك العلو الشاهق ليضع حداً لآلامه النفسية. هذه هي النتيجة المنطقية لتلك المقدمات أما اتهام سبطه بتعمد قتله مع عدم وجود قرينة واحدة تدل على وجود أي خلاف بينهما أو أي غرض مادي أو غير مادي بدفعه إلى ارتكاب هذا الجرم الشنيع في جده فهذا تعسف يأباه المنطق وتستنكره الطبيعة الإنسانية، ولا يجوز افتراضه لمجرد وجود خصلة من شعر المتهم في قبضة يد القتل. فلعلها كما قال حضرة النائب –تذكار حرص الشيخ على استصحابه معه في رحلته الأخيرة. (يجلس)

النائب: من حسن الحظ يا حضرات السادة إن كان هناك شهوداً حضروا الحادثة ورأوا القتيل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

يتقدم ثلاثة شهود فيسألهم الرئيس الأسئلة الرسمية واحداً بعد واحد.

الرئيس: (للشاهد الأول) كيف شهدت الحادثة؟

الشاهد الأول: كنت أسير في الحارة فإذا شيء يقع فجأة أمامي على خطوة مني وإذا أشلاء رجل عجوز فصحت مستغيثاً فأخذ الناس يتجمعون وسمعت صوتاً انبعث عن تلك الكومة من اللحم والدم يقول: ايزاك هو الذي قتلني كما قتل الشيخ العربي في حيفا..

اقتلوا ايزاك ثم لم يقل شيئاً بعد ذلك.

الرئيس: (للشاهد الثاني) وأنت؟

الشاهد الثاني: فزعت إلى مكان الحادثة تاركاً دكاني ورائي فأدركت القتيل يضطرب ويقول: "كما قتل الشيخ العربي في حيفا اقتلوا ايزاك".

الرئيس: (للثالث) وأنت هل سمعت شيئاً منه؟

الثالث: نعم سمعته يقول بصوت متقطع: "اقتلوا ايزاك".

المحامي: أيها السادة ليس في أقوال الشهود ما يثبت أن القتيل قد عنى سبطه ايزاك كوهين فلعله عنى شخصاً آخر بهذا الاسم.

النائب: ما كان في البيت ساعتئذ من يحمل هذا الاسم غير المتهم.

(تدعى هنريتا أم المتهم فتتقدم)

الرئيس: هل في المنزل عندكم ايزاك آخر غير ابنك؟

هنريتا: لا سيدي.

الرئيس: هل يتردد على والدك القتيل أحد من أصدقائه يدعى ايزاك؟

هنريتا: لا أعرف لوالدي صديقاً بهذا الاسم.

الرئيس: من كان في المنزل ساعة الحادث؟

هنريتا: أنا وزوجي كوهين وابني ايزاك.

الرئيس: لا أحد غير الثلاثة

هنريتا: لا..

الرئيس: هل علمت بأي خلاف بين أبيك وبين ابنك ايزاك؟

هنريتا: لا يا سيدي.

الرئيس: متى بدأ الاضطراب العصبي عند والدك؟

هنريتا: منذ أسبوع.

الرئيس: هل تعرفين سببه؟

هنريتا: لا يا سيدي.

الرئيس: ماذا كان يصنع حين تأتيه النوبة.

هنريتا: كان يصيح ويهذي بكلام غريب.

الرئيس: ماذا كان يقول في هذيانه؟ هل تذكرين شيئاً مما قال؟

هنريتا: نعم.. كان يقول..

الرئيس: ماذا..

هنريتا: كلا يا سيدي... لا أتذكر شيئاً.

الرئيس: في أي حجرة كان ابنك ايزاك عند وقوع الحادث؟

هنريتا: لا أدري يا سيدي فقد كنت في المطبخ حينئذ.

الرئيس: ألم تسمعي أي صياح من غرفة والدك؟

هنريتا: ما سمعت شيئاً.

الرئيس: (يشير لهنريتا بالجلوس فتجلس) ليتقدم والد المتهم.

(يتقدم كوهين ليفي وهو كهل في الخمسين)

الرئيس: هل توافق على أقوال زوجتك كلها؟

كوهين: نعم يا سيدي ألا في قولها إن الحالة العصبية بدأت عند المرحوم والدها منذ أسبوع فقط. فالواقع أنها قديمة عنده أما الذي حدث منذ أسبوع فهو اشتداد هذه الحالة وتفاقمها.

الرئيس: كيف كانت علاقتك بحميك؟

كوهين: علاقة المودة والصفاء اعتبره كوالدي ويعتبرني ولده.

الرئيس: ألم يقع بينك وبينه أي خصام؟

كوهين: قد يقع بيننا ما يقع بين الأقرباء المقيمين في منزل واحد من سوء التفاهم أحياناً ولكنه سرعان ما يزول ويحل محله الصفاء والحب.

الرئيس: وبينه وبين ابنك ايزاك؟

كوهين: كان كلاهما يحب الآخر حباً شديداً واشهد أن ايزاك كان يحب جده أكثر مما يحب والدته.

الرئيس: فكيف تفسر جريان اسمه على لسان القتيل ساعة وقوعه على الأرض؟

كوهين: لا أذكر يا سيدي وأغلب ظني أنه من قبيل الهذيان الذي كان يجري على لسانه لغير غرض مفهوم.

الرئيس: هل تذكر شيئاً مما كان يهذي به؟

كوهين: كان يهذي بكلام مشوش مختلط بعضه ببعض فأني لي أن أتذكر شيئاً منه؟

الرئيس: هل تظن أنه انتحر؟

كوهين: لا شك عندي في ذلك ولا محيص من التسليم به فقد كانت زوجتي في المطبخ تصنع لنا قهوة بعد الظهر وكان ايزاك جالساً معي في حجرة الطعام يلاعبني الشطرنج.

الرئيس: وأين كان حموك؟

كوهين: كان لا يزال نائماً في غرفته وكنا ننتظر أن يصحو فيخرج إلينا لشرب القهوة كالعادة فلم نشعر إلا بالصياح في الحارة ثم فوجئنا بالنبأ الأليم.

المحامي: يا حضرات المستشارين هل يبقى لديكم أي شك في براءة المتهم بعد هذه الشهادة الواضحة من أبيه وأمه وهما الشخصان الوحيدان اللذان كانا معه في المنزل؟

النائب: لا يجوز لنا الاعتماد على شهادة الأب فإن أقواله تحمل طابع الحرص الشديد على تبرئة ابنه فهي أشبه بدفاع المحامي منها بتقرير الشاهد. أما أقوال الأم ففي بعضها تلعثم واضطراب يبعثان على الريبة وأغلب ظني أنها حائرة بين الرغبة في إدانة قاتل أبيها والإشفاق على ابنها أن يقع تحت طائلة العقاب.

المحامي: هذه تخرصات لا تنهض بها حجة ولا يقوم عليها برهان.

النائب: أريد أن أستنطق الأم مرة أخرى.

(تدعى هنريتا فتتقدم)

النائب: يا مدام هنريتا.. إن دم أبيك يناديك بأن تساعدي العدالة على ضبط المجرم الذي تسبب في قتله ولو كان ابنك الوحيد!

المحامي: إني أعترض على الأسلوب الإيحائي لتوريط الشاهدة بالتأثير على أعصابها وإيهامها بوقوع ما لم يقع.

الرئيس: يحسن تجنب هذا الأسلوب.

النائب: أمرك يا سيدي الرئيس

(لهنريتا): لقد قلت يا سيدتي إن الحالة العصبية بدأت منذ أسبوع.. أليس كذلك؟

هنريتا: نعم...

النائب: وسمعته يهذي بالشيخ العربي المقتول في حيفا أليس كذلك؟

هنريتا: نعم...

المحامي: متى قالت ذلك؟ إنها لم تقل من هذا شيئاً.

النائب: لقد قالته الساعة ولا تستطيع أن تنكره

المحامي: وماذا تقصد النيابة من وراء ذلك؟

النائب: ثبت بهذا أن القتيل كان يردد في هذيانه قصة الشيخ العربي المقتول في حيفا.. وقد ورد في شهادة بعض الشهود ما يشير إلى أن المتهم هو قاتل ذلك الشيخ العربي.

المحامي: هذا من هذيانه الذي لا معنى له وهو يدل دلالة قاطعة على براءة ايزاك من التهمة التي ألصقت به لمجرد أن القتيل هذى باسمه وهو يلفظ الروح.

النائب: (لهنريتا) ما عمل ابنك ايزاك ؟

هنريتا: لا عمل له يا سيدي

كوهين: (ينهض فجأة) إنها تعني أن ليس لايزاك عمل مستقل عن عملي فهو يعينني في الدكان.

النائب: يا حضرات المستشارين الحظوا معي إسراع هذا الرجل لتعديل أقوال الشاهدة كأنه يخشى أن تقول زوجته الحقيقة التي يحاول هو كتمانها وتضليل العدالة عنها.

المحامي: هذا اتهام للشاهد بدون دليل. فقد رأى المسيو كوهين أن يفسر كلام زوجته بما يدفع عنه اللبس. وللنيابة إن شاءت أن تناقش قول الشاهد لا نيته.

النائب: عندي ما يثبت أن المتهم كان يعمل في دكان بزاز بالموسكي ثم انفصل عنه منذ خمسة شهور.

كوهين: نعم هذا صحيح.

أنا الذي أمرته بذلك ليساعدني في دكاني.

النائب: هل أشتغل عندك منذ انفصل من دكان الموسكي؟

كوهين: نعم...

النائب: هذا غير صحيح فقد تحرينا الأمر من جيران دكانك فأجمعوا طراً على أنهم ما رأوا ابنك هذا يجلس في دكانك إلا منذ أسبوع قبل وقوع الحادث فأين كان قبل ذلك؟

كوهين: ...

النائب: قل الصدق خير لك ولا تحاول أن تضلل العدالة. إنه كان في فلسطين أليس كذلك؟

كوهين: نعم...

النائب: لماذا لم تذكر لنا هذا من أول الأمر؟

كوهين: خشيت أن أثير الشبه حول ابني بالنظر للظروف الحاضرة هناك.

النائب: تخشى أن يتهم بالصهيونية؟

كوهين: نعم يا سيدي؟

النائب: فماذا كان يصنع في فلسطين؟

كوهين: يتجر..

(ضحك في القاعة).

النائب: في الأسلحة؟

كوهين: في الأقمشة.

المحامي: هذه أسئلة لا تمت إلى قضيتنا بأي صله. فنحن أمام قضية يتهم فيها ايزاك كوهين بالتسبب في قتل جده موسيه حائم في 28 أبريل 1948 ولا شأن لنا بما قبل ذلك التاريخ.

النائب: إن للنيابة مطلق الحرية في سلوك أي خطة ترجو من ورائها أن تلقى بصيصاً من النور على ظلام القضية. وليسمح لي سعادة الرئيس أن أتوجه بأسئلة إلى المتهم.

الرئيس: تفضل.

النائب: (للمتهم) ماذا كنت تصنع في فلسطين؟

المتهم: كنت أتجر

النائب: كيف دخلت إليها بجواز مصري

المتهم: لا يا سيدي بل تسللت إليها

النائب: وحدك أم في جماعة

المتهم: في جماعة من الشبان المصريين

النائب: اليهود؟

المتهم: نعم.

النائب: هل ذهبوا هناك للتجارة مثلك؟

المتهم: نعم

النائب: فهل رجعوا أو بقوا هناك؟

المتهم: لا أدري.

النائب: لماذا لم تذهب بجواز مصري؟

المتهم: خشيت إن طلبت ذلك ألا يسمح لي الظرف الحاضر.

النائب: هل كنت في حيفا حين سلمها الإنجليز لليهود؟

المتهم: نعم فلما رأيت تلك المذابح قررت الفرار إلى مصر.

النائب: تسللت إليها أيضاً؟

المتهم: لم يكن أمامي غير هذا السبيل.

المحامي: إني أعترض على هذه الأسئلة التي لا تمس جوهر القضية وأعتبرها استدراجاً للمتهم ليتورط في تهم أخرى هو بريء منها.

الرئيس: يبدو أن النيابة قد استرسلت في هذه الأسئلة الفرعية أطول مما ينبغي

المحامي: إنها وقفت موقف الحريص على أن يتصيْد تهماً جديدة ليلصقها بالمتهم.

النائب: يا حضرات السادة ستعلمون وشيكاً أن هذه الأسئلة ليست ذات صلة بالقضية فحسب بل هي منها في الصميم.. سترون الساعة أيها السادة أننا أمام جريمة مزدوجة ارتكب شق منها في حيفا والشق الثاني في القاهرة والجاني فيها شاب ينتسب إلى مصر العربية بجنسيته ولكن مصريته لم تمنعه من أن يذهب إلى فلسطين لينضم إلى صفوف الصهيونيين المجرمين فيقاتل معهم إخوانه المصريين، ثم يعود متسللاً إلى مصر وهو يتوقد حماسة للصهيونية فتدفعه هذه الحماسة الجهنمية إلى إزهاق روح جده العجوز الفاني لغير ذنب جناه الشيخ إلا أنه اقشعر بدنه لسماع الجرائم التي اشترك فيها سبطه الشاب من ذبح الأطفال والشيوخ والنساء بفلسطين، فتحطمت أعصابه فأخذ يهذي من ذلك الحين. فقررت القيادة الصهيونية بمصر- أجل أيها السادة.. في هذا البلد العربي، توجه قيادة صهيونية – وجوب التخلص من الشيخ الفاني فقام سبطه بتنفيذ الجريمة، وجعل أبواه يتستران عليه إما إشفاقاً على ابنهما من العقوبة أو تواطؤا معه على الجريمة المنكرة.

المحامي: هذه قضية ممتعة تدل على خيال خصب وبراعة عظيمة في تأليف الحوادث وترتيبها ولكنها مهما بلغت من الروعة لا تعدو أن تكون كأخواتها من روائع القصص فلا تحق باطلاً ولا تبطل حقاً وبالأحرى لا تهدي عنق متهم إلى المشنقة!

إن النيابة لم تستطع أن تثبت على المتهم جريمة القاهرة بعد فكيف أرادت أن تضيف إليها جريمة حيفا؟

النائب: يا حضرات المستشارين اسمحوا لي أن أقدم إليكم شاهد الإثبات الأخير.. المسيو توفيق موسيه.. ابن القتيل وخال المتهم.

(يدخل توفيق موسيه من باب صغير خلف المنصة فيتقدم لأداء شهادته).

المحامي: وأني كان هذا الشاهد من قبل؟ ولماذا لم يسجل اسمه في قائمة شهود الإثبات؟

النائب: لقد التجأ إلى النيابة يوم الحادث خشية أن يعمد الصهيونيون إلى التخلص منه أيضاً لئلا يشهد ضدهم وقد رأت النيابة حرصاً على مصلحة التحقيق الاحتفاظ بسره حتى هذه اللحظة.

الرئيس: (بعد أن وجه الأسئلة الرسمية المعتادة) هل أنت مقيم معهم في المنزل؟

توفيق: لا يا سيدي.. أنا مقيم مع زوجتي وأولادي بمصر الجديدة.

الرئيس: لماذا لا يقيم والدك معك؟.

توفيق: والدي كان شديد التعلق بأختي هنريتا فآثر أن يبقى معها فتركت له حريته.

الرئيس: هل كنت تنفق عليه؟

توفيق: كان في غنى عني ولكني ما كنت أتأخر عن مساعدته كلما طلب مني ذلك.

الرئيس: هل عندك شهادة تريد أن تؤديها؟

توفيق: نعم يا سيدي

الرئيس: تفضل.

توفيق: كان والدي رحمه الله من ذلك الطراز المحافظ من يهود الشرق الذين لا يتجاهلون الحقيقة التاريخية الناصعة وهي أن العرب كانوا الشعب الوحيد الذي لم يضطهدهم من شعوب العالم ووجدوا في بلاده الطمأنينة والرخاء والعدل، فكان رحمه الله ينفر من بدعة الصهيونية ويحذر الذين حوله من عواقبها الوخيمة على مستقبل الطوائف اليهودية في مصر وسائر بلاد العرب. ولكنه عاش حتى رأى الصهيونية تسود المنزل الذي هو فيه فأصبح زوج ابنته وابنها من دعاتها المتحمسين ورأى ألا قبل له بهم فسكت على مضض. وكانت الحماسة قد دفعت المتهم إلى السفر إلى فلسطين مع الكثير من أمثاله لنصرة الصهيونيين. ثم رجع منها قريباً في مهمة سرية خطيرة كلف بتبليغها للقيادة الصهيونية هنا. فلما اجتمع بأهله وأصحابه كنت معهم غلبه الزهو فاندفع يقص علينا مغامراته في حيفا وكيف أنه قتل طفلاً صغيراً وكسر جمجمته حتى سال مخه أمام عيني أمه ثم بقر بطنها وأخرج منها الجنين. وكنت أنا ووالدي نتململ ولكنا بقينا على مضض حتى قص إيزاك كيف أنه وجد شيخاً عربياً في السبعين من عمره فتناول عموداً فأخذ يضربه به ذات اليمين وذات الشمال ثم صرعه فذبحه بيده. ونظر ايزاك عند ذاك إلى والدي فصاح والدي صحية منكرة وتشنج فحمل إلى سريره وصار من تلك الليلة يهذي بالشيخ العربي المذبوح في حيفا وتوهم أن العرب سيذبحونه هو جزاءً وفاقاً. وقد أخبرني ذات يوم أن ايزاك هدده بالقتل إن لم يكف عن هذيانه هذا. وكنت عازماً على أن أنقله إلى بيتي ولكن هذا المجرم سبقني فقضى عليه بتلك الصورة البشعة.

المحامي: كيف عرفت أنه هو الذي ألقاه من الشباك؟

توفيق: لما حضرت يوم الحادث جعلت أم المتهم تتوسل باكية إلي ألا أشهد ضد ابنها. وأدركت بعد ذلك أن المجرمين أخذوا يبحثون عني في منزلي بمصر الجديدة وغيره فهداني الرأي إلى الاحتماء بالنيابة إلى أن أؤدي هذه الشهادة فيأخذ العدل مجراه في مقتل والدي البريء المسكين، وتأخذ الوطنية مجراها أيضا فهؤلاء الذين ينتسبون إلى مصر وينعمون بخيرات مصر ثم يعملون لحساب أعداء مصر ضد القضية القومية الكبرى التي تجاهد مصر في سبيلها مع سائر شقيقاتها العربيات.

أيها السادة إن البوليس يبحث عن صهيوني خطر أندس مع اللاجئين إلى مصر ليقوم بأعمال تدميرية فاعلموا أن هذا المتهم هو ذلك الصهيوني المطلوب.

يا حضرات المستشارين.. أيها السادة. إني كيهودي يعتز بمصريته ويخلص لوطنه وملكيته ويكفر بالصهيونية ويعدها لعنة على الشعب اليهودي قبل غيره من الأمم – اقترح على مصر وسائر الدول العربية، احتياطاً لسلامة البلاد من مؤامرات الصهيونيين وأعمالهم الجاسوسية والتدميرية، أن تعتقل اليهود المقيمين فيها جميعاً لأن فيهم صهيونيين ولا يمكن تمييزهم من غيرهم، فاعتقالهم جميعاً هو الأسلم للبلاد في هذا الوقت العصيب، بل هو الأسلم لليهود أنفسهم لئلا يتعرضوا جميعاً لغضب الشعوب العربية كلما قام صهيوني فيهم بمؤامرة ضد سلامة البلاد أو ضد المجهود الجماعي الذي يقوم به العرب لإنقاذ فلسطين. حتى إذا ما انتهت معركة فلسطين بانتصار العروبة وتصفية الصهيونية فعندئذ يطلق سراحهم ليعيشوا جوار إخوانهم العرب سالمين آمنين كما كانوا قديماً قبل أن يطلع عليهم شيطان الصهيونية اللعينة.

الرئيس: هذا اقتراح ليس موضوع بحثه هنا بل تحت قبة البرلمان.

توفيق: فانقلوه إلى قبة البرلمان. إن حياة والدي التي أزهقها هذا المجرم لا تعد شيئاً مذكوراً بالنسبة إلى حياة مصر وحياة العروبة جمعاء التي يتآمر عليها الصهيونيون المجرمون في الميدان وخلف الميدان!

(تدوي القاعة تصفيق)

أيها السادة هأنذا أقدم نفسي لأكون أول من يدخل المعتقل ففي سبيل مصر وسبيل العروبة كل شيء يهونً!

(تصفيق متواصل وهتافات مختلفة- يعلن الرئيس رفع الجلسة)

(ستار)

 

نشرت بتاريخ : 9/5/ 1948


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3728626 عدد الزوار
912 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017