المسرحيات القصيرة->المسرحيات السياسية
الحاجز المستحيل

المنظر: حجرة في قصر الهمام

"الهمام وتابعه أبو الخلول في انتظار زيارة النابح" "يدخل الحاجب"

الحاجب: هذا جناب النابح يا سيدي قد حضر.

الهمام: "ينهض" حضر؟ أين هو؟

النابح: (يدخل من الباب الخاص هأنذا يا سيدي الهمام. ألا تحب أن أحضر؟

الهمام: بلى يا سيدي أنا من الصباح في انتظار تشريفك ولكن..

النابح: دخلت من الباب الخلفي حتى لا يراني الناس.

التابع: ألم أقل لك يا سيدي الهمام إن جناب النابح شديد الاحتياط؟

الهمام: تفضل يا سيدي تفضل.

النابح: "يجلس" اسمع يا سيدي الهمام. أستطيع الآن أن أكشف لك سر الخطة.

الهمام: إني في غاية الشوق لمعرفتها.. ما نمت البارحة من فرط الشوق.

النابح: "للتابع" أغلق علينا الباب.

التابع: وأبقى أنا أم أخرج؟

الهمام: بل تبقى أنت معنا. أنت أمين سري.

التابع: شكراً يا سيدي الهمام "يغلق الباب".

الهمام: هات يا جناب النابح.

النابح: قد امتلأت المدينة بأنصارك.

الهمام: أعلم ذلك ولكن ماذا يراد منهم أن يصنعوا؟

النابح: وفي طيات ثيابهم المدى والسكاكين.

الهمام: أعلم ذلك ولكن ماذا يصنعون بها؟

النابح: "في استخفاف" اطمئن فلن يستعملوها على أي حال لتقطيع اللحم على سفرتك.

الهمام: "متظرفاً" تذكر يا سيدي إن السفرة ستكون في قصرك لا في قصري هذا اليوم الأول.

النابح: اطمئن أيضاً فلن يكون لهذا اليوم ثانٍ!

الهمام: "في اهتمام" ما تعني؟

النابح: سينتهي اليوم كل شيء.

الهمام: أحقاً يا سيدي؟

النابح: إذا نجحت الخطة.

الهمام: ولكن ما هي الخطة ذاتها؟ إنك لم تشرحها لي بعد.

النابح: الموكب سيبدأ من المطار.

الهمام: هذا معلوم.

النابح: وسيخترق شوارع العاصمة.

الهمام: هذا ليس في مصلحتنا. ينبغي تقصير سير الموكب لئلا يتمكن الشعب من الترحيب بهم والتهليل لهم إلا في أضيق نطاق.

النابح: لا تخف.. لن يستمر سير الموكب إلى النهاية.

الهمام: لن يستمر!

النابح: ماذا يصنع أنصارك إذن؟

الهمام: إني حتى الآن لا أدري ماذا يراد منهم أن يصنعوا.

النابح: سيضعون اليوم حاجزاً بين الشمال والجنوب ينفصلان به إلى الأبد!

الهمام: كيف؟ يهتفون بالاستقلال على أسماع مندوبي دول العالم؟

النابح: بل أخطر من ذلك.

الهمام: ينادون بسقوط الاستعمار الشمالي.

النابح: هذا وحده لا يكفي.

الهمام: يتحرشون بجموع الشعب ليفسدوا عليها الموكب؟

النابح: هذا أيضاً لا يكفي.

الهمام: فماذا يضعون إذن؟

النابح: لا تتغابَ يا سيدي الهمام فقد فهمت ما أعني.

الهمام: أجل ولكن أحب أن تصرح لي به لكي أتأكد.

الهمام: أي غبار؟ إنه محفوظ في خزانتي الحديدية.

النابح: تأكد أن الذي في بالك هو المقصود.

الهمام: لكن هذا أمر عظيم!

النابح: الغرض الذي نريد تحقيقه أيضاً عظيم!

الهمام: هل يقدر على ذلك أنصارنا وهم قلة في جانب الكثرة الكاثرة من الشعب؟

النابح: لم لا؟ إنهم وحدهم المسلحون.

الهمام: والبوليس؟

النابح: لن يحمل البوليس غير عصيهم.

الهمام: ورضيت الحكومة بذلك؟

النابح: أقنعناها بأن ليس من المصلحة أن يحمل البوليس السلاح لئلا يستفزوا بذلك شعور الأهالي في مثل هذا اليوم السعيد ثم لا تنس أن مدير البوليس معنا.

الهمام: لكني أخشى يا سيدي عاقبة هذا العمل الخطير. إن الشعب سيدرك السر فيثور علينا!

النابح: اطمئن من هذه الناحية فقد قدرت كل احتمال.

الهمام: أؤكد لك أنه سيثور.

النابح: أعلم ذلك ولكن قبل أن يثور علينا هذا الشعب الجنوبي سيثور الشعب الشمالي ويضطرم بروح السخط والكراهية للجنوبيين وبذلك تتأصل العداوة بين الفريقين.

الهمام: لكن..

النابح: (ينهض) حسبك.. لم يبق عندي وقت لسماع بقية أرائك.. علي الآن أن أتجهز لاستقبال ضيوفنا في المطار (يتوجه نحو الباب ليخرج).

الهمام: إذن فليحالفك النجاح!

النابح: النجاح مضمون، في وسعك الآن أن تخرج التاج الذي أهديناه إليك وتنفض عنه الغبار.

النابح: أعني غبار اليأس الذي تراكم عليه!

الهمام: صحيح! مع السلامة! مع السلامة! (يخرج النابح).

الهمام: أجل.. ما اكتحلت عيني بالتاج منذ زمان، سألبسه اليوم.

التابع: كلا يا سيدي لا تفعل.

الهمام: لم ويلك؟ ألا تحب أن تراه على رأسي؟

التابع: لا أحب أن أراه على رأسك إلا يوم التتويج.

الهمام: ومتى يحين يوم التتويج هذا؟

التابع: قريباً جداً يا سيدي.

الهمام: أتظن ذلك يا أبا الخلول.

التابع: لا ريب عندي في ذلك.

الهمام: إذن فدعني أتمرن من الآن علي لبسه.

التابع: لا يحتاج لبسه إلى مران.

الهمام: (في حدة) وماذا يضيرك أن ألبسه الآن؟

التابع: لا شيء يا سيدي.. لا شيء.. يخرج الهمام

التابع: يا ويلي.. سيغلبني الضحك حين أراه بالتاج وسيغضب مني! ماذا أصنع لأمنع الضحك؟ سأتذكر أبأس يوم من أيام حياتي.. أجل سأتذكر يوم فاز خصومنا في الانتخابات.

يدخل الهمام وعلى رأسه التاج.

الهمام: انظر يا أبا الخلول كيف ترى؟

التابع: (خافضاً بصره إلى الأرض) جميل يا سيدي.. رائع!

الهمام: جميل رائع من قبل أن تنظر إلى وجهي؟ ارفع رأسك!

التابع: اعفني يا سيدي.. لا ينبغي أن أرفع رأسي في حضرة صاحب التاج!

الهمام: صاحب التاج هو الذي يأمرك!

التابع: أمرك يا سيدي (يرفع بصره).

الهمام: هيه ما رأيك؟

التابع: (يتمتم) فازوا في الانتخابات وفشلنا! فازوا في الانتخابات وفشلنا!

الهمام: ويلك ما لنا وللانتخابات الآن؟

التابع: (يظهر الأسى والحسرة) الانتخابات يا سيدي.. الانتخابات التي كنا نأمل الفوز فيها فهزمونا!

الهمام: ما خطبك؟ هل جننت؟

التابع: أجل، سيدي أكاد أجن حين أذكر ذلك (بصوت يخالطه البكاء) إنها يا سيدي كارثة الكوارث!

الهمام: أتريد أن تبكي؟

التابع: من الحسرة يا سيدي.. من الحسرة.

الهمام: خيبك الله، أقول لك انظر إلى التاج على رأسي فتذكر لي الانتخابات وتبكي؟

التابع: وماذا تريدني أن أصنع.

الهمام: افرح وابتهج.. ابتسم!

التابع: أخشى يا سيدي أن يتطور الابتسام إلى الضحك!

الهمام: اضحك.. ماذا يمنعك؟ اضحك ملء فيك!

التابع: (ينفجر مقهقهاً بعد هذا الكبب الطويل) هئ هئ هئ هأ هأ هأ..

الهمام: (يرتاب قليلاً في معنى ضحكه) ويلك ما هذا الضحك كله؟

التابع: هأ هأ هأ هأ..

الهمام: (محتداً) مم تضحك كل هذا الضحك!؟

التابع: من شدة الفرح يا سيدي.. من شدة الفرح.

- 2 -

(نفس المنظر بعد قليل)

الهمام: ترى ماذا يجري الآن في الموكب هناك؟

التابع: ثق يا سيدي أن كل شيء على ما يرام.

الهمام: لا أكتمك أنني شديد القلق إني على نار!

التابع: انظر يا سيدي.. هذا رسول قد أقبل!

الهمام: ترى أي نبأ يحمل!

التابع: البشرى لا ريب.. (يدخل الرسول)

الهمام: ماذا وراءك؟ تكلم؟

الرسول: (يلهث من أثر الجري) انتقل الضيوف من الموكب يا سيدي وانطلقوا في طريق آخر.

الهمام: إلى أين؟

الرسول: إلى قصر جناب النابح.

الهمام: وهو معهم؟

الرسول: نعم وجميع الوزراء والكبراء.

الهمام: النابح هو الذي أصدر الأمر بذلك؟

الرسول: لا يا سيدي بل رئيس الوزراء.

التابع: وأين ذهب أنصارنا؟

الرسول: انطلقوا ليهاجموا القصر.

الهمام: أي قصر؟ 

الرسول: قصر جناب النابح.

الهمام: ويلهم.. من الذي أمرهم بذلك؟

الرسول: رئيس الكتائب.

الهمام: ويل له كيف أقدم على ذلك دون أمري؟

التابع: دعهم يا سيدي. هذه فرصة لا ينبغي أن تضيع من أيدينا.

الهمام: أخشى أن يصيبوا النابح نفسه!

التابع: لا تأسف عليه.. سترسل بلاده إلينا نابحاً غيره.

الهمام: والمسئولية؟

التابع: لا مسئولية عليك، هذه الخطة خطته وهو ولم يصدر إلى رجالنا أمراً بتغييرها أو إلغائها.

الرسول: هل من أمر يا سيدي تريد أن أبلغه لهم؟

الهمام: الآن بعد ما قضي الأمر؟

التابع: انظر يا سيدي. هذا رسول آخر قد أقبل.

الهمام: (مرتبكاً) اللهم أسمعنا خيراً.. (يدخل الرسول)

الرسول: أسرع يا سيدي.. أسرع بالفرار!

الهمام: (مرتاعاً) ماذا تقول؟

الرسول: يجب أن تخرج من المدينة حالاً!

الهمام: ويلك أتأمرني أنت؟

الرسول: هذا يا سيدي أمر جناب النابح؟

التابع: النابح.. أحي هو بعد؟

الرسول: بالطبع.. لقد أمر ألا يغادر جميع أنصارنا المدينة.

التابع: ألم يقتحموا قصره؟

الرسول: حاولوا ذلك فتصدى لهم البوليس وأطلقوا فيهم النار.

الهمام: ومن أين للبوليس السلاح؟

الرسول: من قصر جناب النابح.

الهمام: إذن فقد نقض بالاتفاق الذي بيّت.

التابع: طبعاً يا سيدي لما رأى الخطر على نفسه.

الهمام: وأصيب من رجالنا أحد؟

الرسول: أصيب منهم كثير ومن غيرهم أيضاً، وقتل مدير البوليس.

الهمام: مدير البوليس؟

الرسول: والحكمدار أيضاً.

الهمام: دعني من الحكمدار ولكن كيف قتلوا مدير البوليس؟

الرسول: تصدى ليمنعهم من اقتحام القصر فقتلوه.

التابع: وعلى أثر ذلك أطلق البوليس فيهم النار؟

الرسول: نعم.

التابع: هيه.. خاف النابح على نفسه! ليست عنده شجاعة سلفه!

الرسول: هيا يا سيدي أسرع بالفرار من العاصمة.

الهمام: ولم لا أبقى في قصري؟

الرسول: في بقائك هنا خطر على حياتك.

الهمام: على حياتي؟

الرسول: أجل.. الشعب.. الشعب هائج ثائر.

الهمام: على من؟

الرسول: عليك وعلينا جميعاً.

الهمام: ويلهم يثورون علي ولا يثورون عل مستعمريهم؟

التابع: هيا يا سيدي قبل أن يفوت الأوان!

الهمام: هيا اتبعني إذن! لكن التاج.. سآخذ التاج معي.

التابع: دع التاج في مكانه.. لا خوف عليه.

الهمام: سيأخذونه مني؟

التابع: كلا لن يأخذه أحد.

الهمام: لا لا أستطيع أن أتركه هنا.

التابع: "يأخذ بيده فيجذبه نحو الباب بقوة" خل التاج هنا: لن أقوى على الفرار معك وأنت تضحكني طول الطريق!.

 "ستار"

نشرت في 4 رجب 1373

 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815060 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017