المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
قبس من أيّوب

ـ1ـ

زبيـدة   :   كلا يا أماه. صرت لا تحبين أحداً ولا تهتمين بأحد.

أم قاسم  :   صدقت يا بنيتي وتلك هي العلة التي أشكو منها.

زبيـدة   :   أنت التي صنعت هذه العلة لنفسك.

أم قاسم  :   صنعتها لنفسي؟

زبيـدة   :   أجل وإلا فأنت في صحة جيدة وليس بك أي أثر لمرض.

أم قاسم  :   المرض في قلبي يا زبيدة لا في بدني.

زبيـدة   :   ذاك الذي تسمينه القسوة.

أم قاسم  :   أجل.. ما عندي مرض غيره.

زبيـدة   :   أنا أستطيع أن أخلصك منه.

أم قاسم  :   كيف؟

زبيـدة   :   قومي أولاً من هذا المصلى الذي أنت جالسة عليه ليل نهار.

أم قاسم  :   ويحك يا بنيتي أنا أجلس عليه ليخفف عني هذا المرض.

زبيـدة   :   واخلعي هذه الثياب الغليظة الخشنة التي تلبسينها حتى في شدة الحر، فهي التي تورثك الكآبة.

أم قاسم  :   افهمي حالي يا زبيدة. المرض الذي عندي هو سبب هذه الكآبة.

زبيـدة   :   هل تحسين له وجعاً في قلبك؟

أم قاسم  :   لا.

زبيـدة   :   هل تشعرين بخفقان فيه؟

أم قاسم  :   لا.

زبيـدة   :   فأنت إذن سليمة القلب لا علة فيه.

أم قاسم  :   علَّتي يا زبيدة أكبر وأخطر من كل ما ذكرتِ.

زبيـدة   :   ألا تشعرين بأي خشوع في صلاتك؟

أم قاسم  :  لا في صلاتي ولا في تسبيحي ولا في دعائي ولا في أي شيء يا زبيدة. أصبحت لا أشعر بأي عطف أو شفقة أو رثاء لأحد، لا للفقراء والمساكين الذين أحسن إليهم ولا المرضى الذين أعودهم، ولا للمصابين أو المنكوبين في أنفسهم أو في أموالهم. والطامة الكبرى يا بنيتي أن نعم الله وآلاءه تترادف عليّ في مالي وفي ولدي وفي تجارتي وفي كل شيء ولا أستطيع من ذلك أن أحمد الله أو أشكره إلا من طرف لساني دون أن ينبع من صميم قلبي.

زبيـدة   :  هوّني عليك يا أماه إن أكثر الناس لا يخشعون في صلاتهم ولا يحمدون الله من قلوبهم ولا يعطفون على أحد.

أم قاسم  :  وأطول شقائي يا زبيدة إذا ما حشرت مع أكثر الناس.

زبيـدة   :  والمخرج يا أماه؟ لا يصح أن تبقي على هذه الحال أبداً.

أم قاسم  :  المخرج يا زبيدة عند الله عزوجل. فهو القادر على كل شيء. وقد أرسلت القاسم أخاكِ إلى مدينة البصرة ليستفتي لي أهل العلم والصلاح بها عسى أن يجد لي علاجاً عندهم وإلا فياطول عذابي.

ـ2ـ

قـاسم   :  أماه لم أقدمت على هذه المخاطرة؟

أم قاسم  :  ماذا تعني يا بني؟

قـاسم   :  إني سمعت دعاءك البارحة في السحر.

أم قاسم  :  ويحك ماذا جعلك تسترق السمع إلي؟

قـاسم   :  إشفاقي يا أماه عليك.

أم قاسم  :  فإني لم أقل يا بني إلا خيراً.

قـاسم   :  ويحك يا أماه لقد سمعتك تقولين:

             "اللهم إني دعوتك في الأسحار أن تذهب عن قلبي الغفلة والقسوة فلم تستجب لي ورادفت نعمك عليّ لأمر تعلمه أنت وحدك ولا أملك إلا أن أخشى منه سخطك. اللهم فابتلني كما ابتليت عبدك أيوب عليه السلام وارزقني الصبر على ما ابتليته به آمين. يا رب العالمين". أليس هذا ما دعوت به يا أماه؟.

أم قاسم  :  إياك أن تحدث به أحداً من إخوانك وأخواتك.

قـاسم   :  هلا بقيت فترة أخرى على الدعاء الذي نصحك به الحسن البصري لعل الله أن يستجيب لك بعد؟

أم قاسم  :  لم أستطع أن انتظر أكثر مما انتظرت يا قاسم ولا آمن أن يخترمني الموت وأنا على هذه الحال من قسوة القلب.

قـاسم   :  لكن الخطر من ابتلاء الله كبير وقد حذرك منه كلا الحبرين الحسن البصري وابن سيرين.

أم قاسم  :  أنا على يقين يا بني أنهما لو عرفا قوة احتمالي وصبري ورضاي لما حذراني منه كل ذلك التحذير.

ـ3ـ

(بعد مرور ستة أشهر)

 زبيـدة   :  اللوم كل اللوم عليك أنت يا قاسم.

قـاسم   :  أو تظنون أنكم كنتم تقدرون من أمنا على شيء؟ لقد كان لها عزم يهد الجبال.

زبيـدة   :  لو كنت أخبرتنا من قبل بما عقدت عزمها عليه لربما استطعنا أن نرفع عليها دعوى الحجر.

قـاسم   :  ويلكم أتحجرون عليها وهي رشيدة؟

زبيـدة   :  أي رشد هذا؟ أتعد تبديدها لثروتها الضخمة الواسعة من الرشد؟

عمـر   :  ليت شعري هل خطر على بال والدنا رحمه الله حين أسلم إليها مقاليد تجارته الواسعة أنها ستبددها هكذا من أجل أن تكون من الوليات الصالحات؟ هلا كان هو الذي بددها ليكون من الأولياء الصالحين فقد كان أجدر منها بذلك.

زبيـدة   :  إن لكل منا نصيبا في تلك التجارة فكيف استحلّت لنفسها أن تتصرف فيها دون موافقة منا بل دون رأي منا أو مشورة؟

قـاسم   :  لو راجعتم وصية والدنا لوجدتم فيها أنه قد جعل لها حق التصرف المطلق في تركته وتجارته.

عمـر   :  فوالدنا إذن هو المسؤول سامحه الله.

زبيـدة   :  كلا، ليس بمسؤول، لقد كانت أمنا في ذلك الوقت من أذكى نساء البحرين وأعرفهن بشؤون التجارة وأقدرهن على تصريف الأمور وأعقلهن وما أصابها ما أصابها إلا بعد وفاته بسنين.

عمـر   :  والطامة الكبرى يوم مات لنا أخوان وأختان في أقل من شهرين فلم تذرف عليهم أمنا دمعة واحدة.

زبيـدة   :  بل كانت تبتسم لوفاة كل منهم كابتسامة الشامت.

قـاسم   :  كلا، ليس ذلك سروراً بموتهم أو شماتة كما تزعمان، وإنما كان رضا منها بقضاء الله وقدره.

عمـر   :  أولاً يتحقق الرضا بقضاء الله إلا بالابتسام لموت أولادها الأربعة؟

قـاسم   :  سبحان الله ألم تفهمون بعد ماذا ترمي أمكم إليه من كل هذا الذي تعمله؟

زبيـدة   :  تريد أن تكون ولية صالحة ذات مقامات وكرامات.

عمـر   :  بل تريد أن تكون مثل النبي أيوب عليه السلام.

قـاسم   :  وليس ذلك على الله ببعيد.

زبيـدة   :  ولا تبالي ما يصيبنا من فقر وسوء حال.

عمـر   :  ولا تبالي بمن مات منا أو عاش.

قـاسم   :  هذا كله تجلّد منها في الظاهر أما في الباطن فهي أم لكم رؤوم كأي أم أخرى.

عمـر   :  أجل دافع عنها يا قاسم ودعها تقضي علينا واحدا بعد واحد.

زبيـدة   :  وهي تضحك أو تبتسم.

 ـ4ـ

أم قاسم  :  أهلاً وسهلاً يا أولادي جئتم اليوم مبكرين إلي.

عمـر   :  بل جئنا مودعين يا أماه.

أم قاسم  :  مودعين؟ إلى أين؟

عمـر   :  إلى بلد بعيد لا تسمعين عنا فيه ولا نسمع عنك.

أم قاسم  :  (تضحك في طلاقة وبشر) إن كلامك لمضحك يا عمر.

عمـر   :  مضحك؟

أم قاسم  :  البلد الذي تريد أن ترحل إليه لا وجود له البتة.

عمـر   :  (في حدة) سترين غدا أنه موجود.

أم قاسم  :  (تقهقه ضاحكة) لا تحتد هكذا يا بني فإن الذي يريد أن يودع أمه ينبغي أن يكون لين الكلام لطيفا. ما من بلد ترحل إليه إلا وتسمع عني فيه وأسمع عنك، لأن الرسائل كانت تأتيني من كل بلاد العالم من مشرقه إلى مغربه. ففي وسعي أن أتصل بك أينما تكون.

عمـر   :  كلا، لا أريد أن تتصلي بي ولا أتصل بك.

أم قاسم  :  (في ضحك) علام هذا الجفاء كله يا عمر؟

عمـر   :  وأختي زبيدة أيضاً سترحل.

أم قاسم  :  وحدها أم مع زوجها وأولادها؟

زبيـدة   :  مع زوجي وأولادي يا أماه.

أم قاسم  :  وأنت أيضاً يا قاسم؟

قـاسم   :  لا يا أماه.. إني سأبقى هنا معك.

أم قاسم  :  لم لا ترحل معهم؟

قـاسم   :  إنهم خائفون يا أماه وأنا غير خائف.

أم قاسم  :  (تضحك) خائفون؟ من ماذا؟

قـاسم   :  من الموت.

أم قاسم  :  (تقهقه ضاحكة) خائفون أن يأتيهم قبل أجلهم؟

عمـر   :  كفى يا أماه سخرية. هل تأذنين لنا في السفر؟

أم قاسم  :  بكل سرور. ارحلوا إلى البصرة وانزلوا بها عند أصحابنا آل النعمان.

عمـر   :  كلا لا نريد أن ننزل عند أحد من أصحابك ومعارفك.

أم قاسم  :  كما تشاء يا ولدي كما تشاء.

 ـ5ـ

أم قاسم  :  من الذي يسأل عني يا قاسم؟

قـاسم   :  مسلم بن يسار التاجر من المدينة.

أم قاسم  :  هذا ليس تاجراً فحسب يا قاسم. إنه من أهل العلم والصلاح أيضاً. ائذن له.

قـاسم   :  سمعاً يا أماه.

مسـلم   :  السلام عليك يا أم قاسم.

أم قاسم  :  وعليك السلام ورحمة الله. مرحباً بك يا مسلم بن يسار. جئت توامن مدنية رسول الله×؟

مسـلم   :  نعم يا أم قاسم.

أم قاسم  :  مرحباً بنفحة من نفحات رسول الله×.

مسـلم   :  أراك اليوم مبتهجة يا أم قاسم على غير عادتك.

أم قاسم  :  أجل إنك تعرف السبب.

مسـلم   :  زال عنك ما كنت تشكين منه؟

أم قاسم  :  (من أعماق قلبها) الحمد لله.

مسـلم   :  إني كنت حدثت عبد الله بن عمر عنك.

أم قاسم  :  أحقاً؟ عمَّ حدثته؟

مسـلم   :  عن محنتك.. عمّا كنت تجدين في قلبك.

أم قاسم  :  فماذا قال عبد الله بن عمر؟

مسـلم   :  قال: لو لم يرد الله بها خيرا لما جعلها تشعر بتلك المحنة.

أم قاسم  :  الله أكبر. والله لقد أصاب.

مسـلم   :  لكني لا أرى اليوم عندك شيئاً مما كنت أراه ولا أجد أحداً من رجالك وعبيدك وخدمك وحشمك.

أم قاسم  :  لقد ذهب كل ذلك يا ابن يسار ثمنا لخلاصي من تلك المحنة. فالحمد لله ما أعظمه من خلاص وما أقله من ثمن.

مسـلم   :  حدثيني يا أم قاسم.. حدثيني حديثك كله من أوله إلى آخره وعسى أن يكون فيه شفاء لقلوب كثيرة.

 ـ6ـ

(في المدينة المنورة بعد مرور عامين أو ثلاثة)

 مسـلم   :  السلام عليك يا عبد الله بن عمر.

ابن عمر :  وعليك السلام ورحمة الله. قادم من سفر يا مسلم بن يسار؟

مسـلم   :  أجل يا أبا عبد الرحمن؟

ابن عمر :  من أين هذه المرة؟

مسـلم   :  من البحرين واليمامة.

ابن عمر :  فهل لقيت تلك المرأة الصالحة تاجرة البحرين؟

مسـلم   :  أم قاسم؟

ابن عمر :  أجل لقد حدثتني عنها حديثاً عجباً عام أول. قلت لي إنك لما قدمت عليها قدمتك الأولى...

مسـلم   :  (مكملاً) وجدتها في عز دنياها وتجارتها وجاهها ولكنها كانت مكتئبة محزونة قليلة الكلام في ثياب غليظة خشنة.

ابن عمر :  ثم لما قدمت عليها قدمتك الثانية..

مسـلم   :  (مكملاً) وجدتها قد فقدت كل دنياها وتجارتها، وثكلت أولادها وانفض عنها خدمها وحشمها، ولم يبق لها شيء، ولكنها صارت راضية مبتهجة تلبس أفخر الثياب وتتكلم وتضحك وتتبسم.

ابن عمر :  أجل ذلك ما حدثتني عنها عام أول فليت شعري ماذا فعل الله بها في قدمتك هذه الثالثة؟

مسـلم   :  وجدت حالها يا أبا عبد الرحمن أعجب وأغرب.

ابن عمر :  كيف يا ابن يسار؟

مسـلم   :  وجدتها وقد عادت إليها كل دنياها وتجارتها وجاهها بعبيدها وخدمها وحشمها وعادت ونعم الله تترادف عليها كما كانت وأعظم، ورأيتها في ثياب حسنة معتدلة لا هي غليظة ولا رقيقة وهي تدير شؤونها وتباشر أعمالها في حكمة واتزان ولا يكف لسانها عن حمد الله وشكره. فسألتها عن حالها فقالت: اليوم اعتدل الميزان فاستوى عندي الغنى والفقر، والعافية والسقم، واللذة والألم، والسرور والحزن، والجاه والخمول، والحياة والموت.

ابن عمر :  بخ. بخ. ما أعظم وأكرم وما أجدرنا أن نفعل مثلها يا ابن يسار.

مسـلم   :  أنت يا أبا عبد الرحمن في غنىً عن ذلك.

ابن عمر :  كلا يا مسلم بن يسار. أين أنا من هذه؟ لقد تخرّق مطرفي هذا فوجهت به ليصلح فعمل لي على غير ما كنت أريد فأحزنني ذلك. رحم الله هذه المرأة. فما أعظم صبرها، وما أجمل شكرها لربها.

(ستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3728559 عدد الزوار
912 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017