المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
وعلمناه من لدنا علماً

ـ 1 ـ

إسماعيل المغربي يسير في الطريق حاملاً إناء يحاول أن يغطيه تحت ثيابه والظلام دامس والمطر يهطل والريح تزفر. جعفر النحريري

يطل عليه من داره.

جعفر       :   أيهذا السائر في الطريق.. أيها السائر في الطريق.

إسماعيل   :   ماذا تريد؟

جعفر       :   يخيل إلى أنت غريبة.

إسماعيل   :   نعم.

جعفر       :   ادفع باب دارنا وادخل.

إسماعيل   :   ما عندي وقت أضيعه.

جعفر       :   المطر شديد والأرض موحلة والظلام دامس فادخل عندنا ريثما يخف المطر.

إسماعيل   :   لا أستطيع يا سيدي. الموت لا ينتظر.

جعفر       :   أي موت تعني؟

إسماعيل   :   دعني وشأني أني عنك في شغل.

جعفر       :   بل خبرني أيها الغريب لعلى أستطيع أن أعينك.

إسماعيل   :   امرأتي وضعت منذ قليل وتركتها وهي تشكو الجوع والبرد لآتي لها ببعض ما يحفظ رمثها في هذا الإناء الذي أحمله.

جعفر       :   ادفع الباب وادخل فإني سأساعدك.

إسماعيل   :   يا هذا لقد عطلتني بفضلك دعني أدركها قبل أن تموت من جوع وبرد وخوف.

جعفر       :   أين تركتها؟

إسماعيل   :   في ذلك الخان القديم.

جعفر       :   الخان المهجور الخراب؟

إسماعيل   :   نعم.

جعفر       :   أراك يا أخي أخطأت الطريق إليه.

إسماعيل   :   كلا أنا أعرف طريقي. (تزلق رجله فيقع على الأرض) وي. زلقت رجلي وأندلق ما في الإناء.

جعفر       :   لا حول ولا قوة إلا بالله. ألم أقل لك؟

إسماعيل   :   كل هذا منك أنت الذي شغلتني بكذمن فركبتني. (يبكي) آه. ماذا أصنع الآن؟ هل أعود إليها بغير شيئ؟

جعفر       :   ماذا كان في أنائك.

إسماعيل   :   تراني في هذه الحال ولا تكف عن فضولك؟

جعفر       :   عسى أن تجد عندي هذا الذي أندلق منك.

إسماعيل   :   حلبة وزيت كان في الإناء حلبة وزيت.

جعفر       :   هذا موجود عندنا فادفع الباب وادخل.

(يدفع إسماعيل الباب فيدخل)

جعفر       :   لو سمعت كلامي من أول الأمر.

إسماعيل   :   هات اسعفني يا أخي إن كان عندي.

جعفر       :   عجباً إن وجهك غير غريب عني ترى أين رأيته من قبل؟

إسماعيل   :   يا أخي قلت لك اسعفني. أن امرأتي تموت.

جعفر       :   وصوتك أيضاً. ليت شعري أين سمعته؟

إسماعيل   :   إن كنت لا تريد أن تسعفني فدعني امضي لسبيلي.

جعفر       :   أصبر يا هذا قليلاً فإني لو ملأت لك إناءك الآن وتركت تمضي في هذا الوحل والظلام والمطر فسيندلق منك مرة أخرى.

إسماعيل   :   قبح الله زمنا أحوجني إلى معونة الغير. لو كان معي دانق ونصف لعدت إلى البدال فاشتريت منه الحلبة والزيت مرة أخرى (يبكي).

جعفر       :   ويحك تبكي هذا البكاء كله من أجل دانق ونصف من الزيت والحلبة؟

إسماعيل   :   يا هذا ليس بكائي من أجل الدانق والنصف، بل رحمة لتلك التي تموت الآن جوعاً ووالله لقد حججت ذات عام وأنا في أو غنائي فسقط مني هميان فيه دنانير وجواهر تساوى ثلاثة آلاف دينار فما شعرت بأي أسف عليه.

جعفر       :   تقول وقع منك هميان؟

إسماعيل   :   منذ برهة طويلة لا تقل عن عشر سنين. وأنا الآن ما عندي دانق ونصف فأسأل الله السلامة ولا تعايرني فتبلى بمثلي بلواي.

جعفر       :   بالله عليك يا رجل ما كانت صفة همياتك؟

إسماعيل   :   يا سيدي أما كفاني ما أنا فيه من البلوى وما تراه من جهدي وقياس في المطر حتى تستهزئي بي أيضاً؟

جعفر       :   أنا أستهزئ بك؟ معاذ الله يا أخي.

إسماعيل   :   فماذا ينفعني أو ينفعك من وصف همياني الذي ضاع منذ أكثر من عشر سنين؟

جعفر       :   ويحك إلى أين؟

إسماعيل   :   إلى أين؟ إلى حيث امرأتي لألحقها قبل أن تلفظ روحها.

جعفر       :   كلا أني أمنعك من الخروج إلا إذا وصفت لي هميانك.

إسماعيل   :   ويلك دعني. أترك يدي فقد آلتني.

جعفر       :   كلا حتى تصف لي هميانك.

إسماعيل   :   مستطيل، طوله نحو ثلاثة أشبار، وعرضه نحو شبر واحد، لين اللمس ناعم من الديباج الأسود يربط فمه خيط من الحرير الأحمر.

جعفر       :   (ينادي باعلي صوته) يا دينار. يا مرزوق.

صوت      :   لبيك يا مولاي.

جعفر       :   اذهبا مع هذا السيد إلى الخان المهجير وخذا هودجا معكما لتحملا امرأته فيه وتعودا بها معه.

الصوت     :   الآن يا مولاي في هذا المطر؟

جعفر       :   نعم في الحال.

إسماعيل   :   ما هذا الذي تصنعه يا سيدي؟

جعفر       :   طب بالا يا سيدي. امرأتي ستتولى امرأتك وتصلح شأنها وتكون أنت وهي والطفل الرضيع ضيوفاً عندنا في البيت إلى أن يأتي الله بالفرج.

ـ 2 ـ

إسماعيل   :   كيف أنت اليوم يا حليمة؟

حليمة      :   أنا في أحسن حال يا إسماعيل. والله لو كانت أمي عندي ما فعلت لي أكثر مما تفعله سيدة البيت.

إسماعيل   :   وأنا ألا ترين هذه الثياب الجديدة على؟

حليمة      :   كلها من صاحب البيت؟

إسماعيل   :   ويعطيني فوق هذا كله عشرة دنانير كل يوم.

حليمة      :   كل يوم؟

إسماعيل   :   نعم. وعرض علي اليوم أن يعطيني رأس مال أتجر فيه وأكون شريكا له.

حليمة      :   نعم العرض والله فهل قبلت؟

إسماعيل   :   بغير تردد.

حليمة      :   أحسنت يا إسماعيل.

إسماعيل   :   وي. نسيت أن أسألت أين الطفل؟

حليمة      :   الطفل عند المرضعة إسماعيل فهي التي تتولى شأنه.

إسماعيل   :   الله. الله. أي عز هذا يا حليمة وأي نعمة؟

حليمة      :   الحمد لله الذي فيعز لنا هؤلاء الطيبين.

إسماعيل   :   (بصوت خافض) هل يسمع حديثنا أحد يا حليمة.

حليمة      :   لا لا أحد هنا الآن. خرجوا جميعاً إلى الحديقة.

إسماعيل   :   انصتي إلى يا حليمة. هل تذكرين ذلك الشيخ الغريب. الشيخ جعفر الذي لقبني في الحج منذ عشر سنين والذي وقع في ظني أنه هو الذي سوق مني الهمبان؟

حليمة      :   وما الذي أذكره ببالك اليوم؟

إسماعيل   :   هذا الرجل صاحب البيت هو الذي ذكرني به.

حليمة      :   كيف؟

إسماعيل   :   أخذ يذكر لي اسمه ويترضى عنه ويسألني عما دار بيني وبينه من نقاش حول الخضر صاحب موسى عليه السلام الذي كشف الله له الحجاب عن مستقبل فصدرت منه أعمال لم يستطع موسى عليه السلام صبراً.

حليمة      :   عجباً.. كيف عرف ذلك؟

إسماعيل   :   هذا الذي حيرني فيه يا حليمة.

حليمة      :   ولم تسأله؟

إسماعيل   :   بلى سألته فلم يزد على أن قال: ستعلم غدا أنك كنت مخطئاً في جدالك له وإن الذين يكشف الله عنهم الحجاب من عباده موجودون في كل حين إلى يوم الدين.

حليمة      :   ولم تسأله بعد ذلك؟

إسماعيل   :   لم يشأ أن يجيب بشيء وإنما اكتفى بالابتسام وبقوله: غدا ستعرف كل شيء.

حليمة      :   هذا أمر عجيب.

إسماعيل   :   أستغفر الله. لقد خامرني الشك يا حليمة ألا يكون هذا الرجل متواطئاً مع ذلك الشيخ في الاستيلاء على همياني.

حليمة      :   ما أكثر شكوكك يا إسماعيل وأسوأ ظنونك. هل يعقل أن يكون هذا الرجل الكريم الذي أحسن إليك كل هذا الإحسان كما توهمت؟ نق قلبك من هذه الادران يا رجل.. فعسى أن تكون هي السبب في كل ما حاق بنا من نكبات ويحسن.

جعفر       :   هذا والله ربح كبير يا إسماعيل في وقت قصير.

إسماعيل   :   كل هذا بفضلك يا جعفر.

جعفر       :   بل بمهارتك في التجارة وأمانتك وصدقك.

إسماعيل   :   الحمد لله إذ بقيت أحسنها بعد ذلك الانقطاع الطويل.

جعفر       :   كم لبثت منقطعاً عنها يا إسماعيل؟

إسماعيل   :   حواني ثمان سنين.. منذ ذهبت تروني كلها ولم يبق في يدي شيء.

جعفر       :   أنت لا تعلم يا إسماعيل أن أحداً لمكشوف عنهم الحجاب كان قد تنهأ لي بأنك ستفقد ثروتك وتصح من أفقر الناس.

إسماعيل   :   من؟

جعفر       :   الشيخ خضر.

إسماعيل   :   وابن لقيته؟

جعفر       :   في مكة. أنا كنت من مريد به وقد رأيتك عنده غير مرة.

إسماعيل   :   لكني لم أرك يا جعفر.

جعفر       :   كنت في المجاهدة إذ ذاك فكنت اتحاشي الظهور.

إسماعيل   :   لا تؤاخذني يا جعفر بأن قلت لك إني لا أعتقد في ذلك الشيخ بل وقع في ظني أنه هو الذي سرق همياني إذ افتقدته وأنا في زاويته.

جعفر       :   أجل هو أخذ هميان لا ليسرقه من ليحفظه لمدة.

إسماعيل   :   هو أخبرت بذلك؟

جعفر       :   نعم.

إسماعيل   :   وصدقت دعواه هذه؟

جعفر       :   كيف لا وهو شيخي؟

إسماعيل   :   لقد خدعك يا جعفر إذ أظهر لك الصلاح والتقوى.

جعفر       :   كلا يا إسماعيل بل أنت الذي خدعك الشيطان عن ذلك الولي الصالح حتى أساءت الظن به وأطلقت لسانك فيه.

إسماعيل   :   أنا برهاني الهمبان فالذي أخذه فما برهانك أنت؟

جعفر       :   أنتظر قليلاً حتى أحضر لك برهاني. (يخرج).

إسماعيل   :   (يتمتم) ترى أي برهان عنده؟ والله ما سمعت كاليوم عجباً.

جعفر       :   (يعود) أنظر! هي تعرف هذا يا إسماعيل؟

إسماعيل   :   (منهراً) يا إلهي. ماذا أرى؟ هذا همياني بعينه.

جعفر       :   أتدري من الذي أعطاه لي؟

إسماعيل   :   الشيخ خضر؟

جعفر       :   نعم. أعطانيه عند سفري من مكة عائد إلى بلدي وأوصاني أن أحفظه عندي حتى تأتيني أنت في ليلة مطيرة حالكة السواد شديدة الأبواق والإرعاد فأسلمه إليك.

إسماعيل   :   أحقاً يا جعفر؟ إذن فقد اتهمت الشيخ وأنا له ظالم. فماذا أعمل الآن؟

جعفر       :   خبرني أولا هل بقي في قلبك شيء من الشيخ؟ إن بقي في قلبك شيء فقله حتى أصحح عقيدتك فيه.

إسماعيل   :   نعم كيف أباح لنفسنه أن يأخذ متاعاً لغيره بغير إذنه؟

جعفر       :   كما أباح لنفسه أن يأخذ متاعاً لنفسه قتل الغلام لينقذ من شره أبويه وخرق السفينة ليحفظها على أصحابها من الملك المغتصب وإقامة الجدار ليحفظ للغلامين اليتيمين الكنز الذي لهما تحته.

إسماعيل   :   ذاك عهد كشف اله له من أمرهم ما كشف.

جعفر       :   وهذا أيضاً عبد كشف الله له من أمرك ما كشف.

إسماعيل   :   أين هذا من ذاك الذي آتاه الله من العلم عالم يؤته موسى نفسه.

جعفر       :   لا تحجر من فضل الله الواسع يا إسماعيل ولا من عطائه الدائم في كل مكان وكل زمان.

إسماعيل   :   أتريد أن تسوي بين هذا وذاك يا جعفر؟

جعفر       :   معاذ الله أن أسوى بينهما يا إسماعيل. أن لكل منهما فضله ومقامه غير أن كليهما عبد من عباد الله آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علماً.

(ستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815041 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017