المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
الدعوة المستجابة

-1-
(في بيت الفضيل بن عياض وعنده سفيان بن عيينة يدخل عليهما عبد الله بن المبارك)


ابن المبارك: السلام عليك يا ابن عياض

الفضيل: وعليك السلام ورحمة الله. زيارة غير منتظرة. أهلا بك يا ابن المبارك

ابن المبارك: الحمد لله إذ وجدتك.

الفضيل: خيراً يا ابن المبارك إن شاء الله.

ابن المبارك: أنت هنا يا ابن عيينة. الحمد الله. لقد كنت أريد أن أمر على بيتك.

الفضيل : أدركه المطر في الطريق فألجأه إلى بيتي.

ابن عينية: وحبسني فيه، أما أنت يا ابن المبارك فكأنك لم تبال بالمطر فرحت تتجول في الشوارع حتى ابتلت ثيابك.

الفضيل : ابن المبارك لا يفوته شيء يا ابن عُيينة. هذا غيث الرحمة أنزله الله بعدما هلك الناس.

ابن عيينة: صدقت، كان ينبغي لنا أن نتعرض لهذا الغيث كما فعل ابن المبارك.

الفضيل : إني أراك ترتجف يا ابن المبارك. هل آتيك بثياب من عندي حتى تجف ثيابك؟

ابن المبارك: لا حاجة بي إلى ذلك. إني لا أشعر بأي برد.

الفضيل : لكنك ترتجف.

ابن المبارك : ليس من البرد أرتجف بل من شيء آخر.

ابن عينية: من أي شيء؟

ابن المبارك : من شيء عظيم يا أخويّ. رأيت اليوم أمرًا عجبًا لم أر مثله في حياتي قط.

الفضيل : خيرًا يا ابن المبارك إن شاء الله. حدثنا ماذا رأيت؟

ابن المبارك: شهدتهما صلاة الاستقاء اليوم في المسجد الحرام؟

الفضيل : نعم كنا هناك أنا وسفيان والتمسناك فلم نرك.

ابن المبارك: وانصرفتما حين انصرف الناس.

الفضيل : أجل.

ابن عيينة: ما انصرفنا إلا بعد ما أجمعوا أن يعاودوا الاستسقاء من الغد.

ابن المبارك: فهل رأيتما أي أثر للمطر إذ ذاك؟

ابن عيينة : ولا قزعة سحاب.

ابن المبارك: فهل توقع أحد أن ينزل اليوم أي غيث؟

الفضيل : لا .. ولكن رحمة الله قريب في كل حين.

ابن عينية : وقد شاء الله أن يستجيب لهم بعد ما انصرفوا من صلاتهم ودعائهم.

ابن المبارك: أجل.. كنت أقول هذا الذي قلتماه الآن لو لم أشهد ما شهدت.

الاثنان: ماذا شهدت ياابن المبارك.. حدثنا بالله عليك.

ابن المبارك: واحسرتاه يا أخويّ.

ابن عيينة: ويحك علام تتحسّر؟

ابن المبارك :حريّ بكما أن تتحسرا مثلي.

الفضيل: هذا مقام الحمد يا ابن المبارك. حريّ بنا أن نحمد الله على ما أنعم.

ابن المبارك: ولكنا سُبقنا.

الفضيل: سبقنا إلى من يا ابن المبارك؟

ابن عيينة: أفصح

ابن المبارك: سبقنا إلى الله يا أخوي.

ابن عيينة: إلى الله؟

ابن المبارك: أجل سبقنا إليه غيرنا فتولاه دوننا.

الفضيل : با الله عليك يا أخي إلا ما أفصحت.

ابن عيينة : فكفيتنا هذه الحيرة.

ابن المبارك: كنت منصرفا مع المنصرفين من الناس مما يلي باب بني شيبة إذ لمحت غلامًا أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه فكأنما علقت به عيني فلم أستطع أن أصرفها عنه..

الفضيل : هات يا ابن المبارك أتمم.

ابن المبارك: رأيته ينسلّ من بين صفوف الناس ميممًا نحو الكعبة، لا أدري لماذا تبعته فوجدته يطوف مع الطائفين فأخذت أطوف معهم وأنا أراه أمامي ثم انتقل إلى أحد الأروقة فانتبذ له مكانًا خفيًا فوقف فيه وأخذ يرفع يديه كأنه يدعو الله، فقلت لأعرفن سر هذا الغلام، فمشيت على أطراف أصابعي حتى وقفت خلفه دون أن يشعر بي فقد كان مستغرقاً في دعائه وابتهاله فسمعته يقول:

الغلام: إلهي ما كنت لأدعوك لولا رقة غلبتني على عبادك هؤلاء الذين خرجوا اليوم يستسقونك بألسنتهم وهم يحملون في قلوبهم ما من أجله منعتنا غيث السماء. اللهم إن اغترارهم بحلمك ورجاءهم في رحمتك قد أنسياهم الخوف من غضبك وعذابك. اللهم فاجعل ذلك لهم لا عليهم يا واسع الرحمة يا غنيا عن العالمين. يا إلهي إني ما دعوتك لنفسي يوما إلا استجبت لي فضلا منك وكرما، وهأنذا أدعوك اليوم لعبادك هؤلاء من أمة نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم فإن لم تستجب لي خشيت على نفسي الاغترار بك بأنك اصطفيتني وحدي عبدا لك من دونهم أجمعين. إلهي يا حليما ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل إن كنت تحبني كما أحبك فاسقهم الساعة.. الساعة.. الساعة.

ابن المبارك: فلم يزل يردد الساعة الساعة حتى تجلت السماء بالغمام

الفضيل: (هاتفا) الله أكبر. الله أكبر طوبى لذلك الغلام. طوبى لذلك الغلام.

ابن المبارك: ثم لمع البرق وجلجل الرعد ثم انهمر الغيث شآبيب في كل مكان.

ابن عيينه: أجل كنا ساعتئذ في الطريق إلى بيوتنا.

الفضيل: ثم ماذا صنع الغلام يا ابن المبارك؟

ابن المبارك:جلس مكانه يسبح فما ملكت دمعي فأخذت أبكي. فكأنما سمع نشيجي فالتفت فرآني فانتفض مذعوراً كأنما لسعته عقرب ثم انطلق يعدو حتى خرج من المسجد.

الفضيل: ويلك أتركته يفلت منك؟

ابن المبارك: كلا. فقد نهضت خلفه وتبعته أينما سار فكنت أخب إذا خب وائتد إذا اتأد. وأنا اجتهد طول الوقت إلا يشعر بمكاني فما زال يدخل بي في زقاق ويخرج بي من زقاق حتى انتهى إلى دار كبيرة فانسرب في بابها المفتوح وهممت أن أدخل وراءه ولكني لم أفعل إذ تبين لي أن تلك الدار هي دار التاجر الكبير عبد المولى المدني وقلت لنفسي يكفيني أني عرفت موضعه وكررت راجعا حتى جئت إليكما الساعة.

الفضيل: أحسنت إذ أتيتنا يا ابن المبارك فلا ينبغي لمثل هذا الخير أن يفوتنا.

ابن المبارك: قلت أخبركما وأستشيركما في أمره.

ابن عيينة: أقلت إنه غلام أسود؟

ابن المبارك: أجل لكنه جميل الخلقة مديد القامة ولولا الخيش الذي عليه لحسبته أميرا من أمراء الحبشة.

الفضيل: ويحك يا ابن المبارك قم بنا نذهب إليه

ابن المبارك: الآن؟

الفضيل: نعمّ خير البر عاجله.

ابن المبارك: كلا يا ابن عياض ليس هذا بالوقت الملائم ولا يصح أن نذهب نحن الثلاثة إليه فنروّع الغلام ونطمع سيده فينا.

ابن عيينة: أجل هذا هو الرأي يا ابن عياض.

ابن المبارك: غدا سأذهب إلى دار المدني وأسأله من غلامه هذا فانتظراني هنا بعد صلاة العصر فإني أرجو ألا أعود إليكما إلا به.

-2-
( في دار الشيخ عبد المولى المدني)


المدني: من ؟ عبد الله بن المبارك في دارنا. مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن.. أهلا وسهلا

ابن المبارك: إني جئت إليك اليوم يا عبد المولى في حاجة.

المدني : حاجتك مقضية يا أبا عبد الرحمن.

ابن المبارك: أحتاج إلى غلام أسود.

المدني: عندي عدة منهم فاختر أيهم شئت.

ابن المبارك: دعني أراهم لأختار من بينهم.

المدني: بل سأختار لك أفضلهم (ينادي) ياقوت. تعال يا ياقوت.

ياقوت: لبيك يا مولاي.

المدني: انظر: هذا غلام جلد محمود العاقبة أرضاه لك.

ابن المبارك: لكنه ليس بحاجتي.

المدني: كأنك تريد غلاما معينا قد رأيته من قبل؟

ابن المبارك: نعم.

المدني: صفه لي.

ابن المبارك : مديد القامة، ليس بأفطس، عليه قطعتا خيش.

المدني: هذا ميمون. أين رأيته يا أبا عبد الرحمن؟

ابن المبارك: في المسجد الحرام أمس.

المدني: عند صلاة الاستسقاء؟

ابن المبارك: نعم.

المدني: أجل. هذا غلام صالح لا يصلي إلا في المسجد الحرام، ولكن ماذا تصنع به إنه لا يصلح لشيء

ابن المبارك: لكني لا أريد غيره. ادعه لأراه حتى أتاكد أنه هو

المدني : (ينادي) ميمون تعال يا ميمون.

ميمون : لبيك يا مولاي ( يدخل

المدني: هذا هو؟

ابن المبارك: (بصوت خافت) نعم هو بعينه اصرفه الآن.

المدني : اذهب الآن يا ميمون.

ابن المبارك: بكم تبيعه لي؟

المدني: كلا. هذا لا سبيل إلى بيعه يا أبا عبد الرحمن.

ابن المبارك: ولم يا عبد المولى؟

المدني: قد تبركت بموضعه من هذه الدار.

ابن المبارك: فدعني أيضا أتبرك بموضعه من داري.

المدني: إن كان فيه بركة حقاً فأنا أحوج إليها منك.

ابن المبارك: بل أنا و الفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة أحوج إلى وجوده بيننا منك.

المدني : تريدونه أنتم الثلاثة؟

ابن المبارك: نعم... الفضيل وسفيان أرسلاني إليك لأشتريه منك.

المدني: إنكم من وجوه أهل العلم والصلاح في هذا البلد، فلا يصح لي أن أبيعه لكم حتى أخبركم بما فيه من عيب.

ابن المبارك: لا بأس.. نحن لا نريد منه أية خدمة أو منفعة.

المدني: بل عيب آخر يعنيكم أمره أكثر مما يعني غيركم.

ابن المبارك: ماذا تعني؟

المدني: إنه على صلاحه هذا شهواني لا يؤتمن على الحُرَم.

ابن المبارك: معاذ الله يا عبد المولى. لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً، لعلك قلت ذلك لتصرفنا عنه.

المدني: لا والله يا ابن المبارك. إن شئت دعوت لك الجارية السوداء التي دأب حينا يراودها عن نفسها حتى شكته إليّ.

ابن المبارك: هذا كلام عظيم يا عبد المولى، لا يمكن أن أصدقه أبدًا. لا بد أنها افترت عليه.

المدني: لكنه اعترف بذنبه لما كلمته، وطلب مني أن أسامحه.

ابن المبارك: لا بد أن في الأمر سرًا يا عبد المولى. أما أنا فإني لا أصدق أبدا أن شيئا كهذا يمكن أن يصدر منه.

المدني: قد ذكرت لك ما فيه من عيب، فإن كنت راغباً فيه فخذه مباركا لك فيه.

ابن المبارك: جزاك الله خيرا فكم تريد فيه؟

المدني: خذه بالثّمن الذي اشتريته به. عشرين ديناراً.

ابن المبارك: قد قبلت.

-3-
( ابن المبارك وميمون وهما يمشيان في الطريق)


ابن المبارك: والله يا ميمون ما فرحت في حياتي قط فرحي بك اليوم.

ميمون: لا تعجل بالثناء يا مولاي حتى تبلوني.

ابن المبارك: لا تدعني يا مولاي فلست بمولاك وإنما أنا أخوك.

ميمون: يا سيدي إنك اشتريتني فأنت مولاي.

ابن المبارك: فادعني يا سيدي إن شئت.

ميمون: يا سيدي عندي سؤال لك.

ابن المبارك: لبيك يا حبيبي هات ما عندك.

ميمون: إنك تحرجني يا سيدي.. لا تقل لي لبيك فالعبد أولى أن يلبى من سيده.

ابن المبارك: أنت أخي يا ميمون ولست بعبدي، فقل لي ما سؤالك.

ميمون: ما حملك على شرائي وأنا ضعيف البدن كما ترى لا أطيق الخدمة وقد كان لك في غيري سعة.

ابن المبارك: لا يراني الله أستخدمك أبدا يا ميمون، ولكني سأشتري لك منزلا وأزوجك وأخدمك أنا بنفسي.

ميمون: (يبكي) لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله.

ابن المبارك: ويحك يا أخي ماذا يبكيك؟

ميمون: أنت لم تفعل هذا إلا وقد عرفت سري وإلا فلم اخترتني من بين أولئك الغلمان؟

ابن المبارك: ويحك ليس فيما عرفته عنك ما يدعوك إلى البكاء يا ميمون.

ميمون: سألتك بالله إلا ما أخبرتني ماذا عرفت عني؟

ابن المبارك: عرفت أنك مجاب الدعوة.

ميمون: سمعت دعائي أمس في المسجد الحرام؟

ابن المبارك: نعم.

ميمون: يغفر الله لك، ما كان لك أن تسترق السمع إلى ما بيني وبين مولاي.

ابن المبارك: ويحك تلك نفحة من نفحات الله فلم تريد أن تحرمينها؟

ميمون: لعلك قد ظننت أن الله إنما أنزل الغيث استجابة لدعائي؟

ابن المبارك: إني ما ظننت ظنا بل أيقنت.

ميمون : اسمع يا سيدي، إني أحسبك رجلا صالحا. إن لله عز وجل خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ولا يظهر عليهم إلا من قد ارتضى.

ابن المبارك: بشرتني يا ميمون. بشرك الله بالخير.

ميمون: إلى اين يا سيدي أنت ماض بي الآن؟

ابن المبارك : إلى منزل فضيل بن عياض فهو يحب أن يراك.

ميمون: فضيل بن عياض يحب يراني؟

ابن المبارك: وسفيان بن عيينة كذلك.

ميمون: أطلعتهما أنت على سري؟

ابن المبارك: بل أخبرتهما بسر الله فيك.

ميمون: سامحك الله. هل لك يا سيدي أن تدخل بنا المسجد أولا، فقد بقيت علي ركعتان من البارحة؟

ابن المبارك: إن الفضيل وسفيان ينتظراننا الآن فلو ذهبنا إليهما أولا ثم توجهنا إلى المسجد لصلاة المغرب؟

ميمون: لا سيدي.. أمر الله لا يؤخر وهو في المسجد أفضل.

ابن المبارك: ذاك الفرض يا ميمون. أما النفل ففي البيت أفضل.

ميمون: ومن قال لك إنه نفل؟ إنه يا سيدي الفرض الذي لا فرض بعده.

ابن المبارك: لا فرض بعده؟ ماذا تعني يا ميمون؟

ميمون: أعني يا سيدي لا فرض يعلو عليه.

ابن المبارك: كما تشاء يا ميمون. هلم بنا إلى المسجد. تعال ندخل من باب الباعة فهو أقرب

-4-
( في المسجد الحرام)



ابن المبارك: انتهيت يا ميمون من ركعاتك؟

ميمون: الحمد لله.

ابن المبارك: ألا نقوم إلى دار الفضيل فإنه ينتظرنا؟

ميمون: يا سيدي ينتظرني هنا أمر أكبر من لقاء الفضيل.

ابن المبارك: ويحك ماذا تعني؟

ميمون: هل لك أن تحتسب العشرين دينارا التي دفعتها ثمنا لي؟

ابن المبارك: تعني أنك تريد مني أن أعتقك؟

ميمون: كلا يا سيدي فسيعتقني الله عنك.

ابن المبارك: ويحك .. إياك أن تعني.

ميمون : الانصراف يا سيدي.. الانصراف

ابن المبارك: إلى أين؟

ميمون: إلى الآخرة.

ابن المبارك: متى؟

ميمون: الساعة

ابن المبارك: كلا لا تفعل يا ميمون. دعني أسر قليلا بك، وأستمد من نورك، وأنل من بركتك.

ميمون: لا مناص يا سيدي من ذلك. فما عدت أحتمل هذه الحياة.

ابن المبارك: فيم يا ميمون؟

ميمون: إنما كانت تطيب الحياة لي حيث كانت المعاملة بيني وبينه تعالى، فأما إذا اطلعت عليها أنت وصاحباك فسيطلع عليها غيركم، فلا حاجة لي في ذلك

ابن المبارك: لكني أريد أن أنتفع منك بشيء قبل أن تنصرف إلى الآخرة.

ميمون: ماذا تريد مني؟

ابن المبارك: أن تخبرني عن الطريق الذي سلكته إلى الله حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

ميمون: وتسامحني في العشرين ديناراً وتحتسبها عند الله؟

ابن المبارك: لو احتسبت كل ما أملك لكان ذلك قليلاً في جنب هذا المطلب العظيم.

ميمون: فاستمع إذن إلى قصة حياتي فستجد فيها ما تريد.. كان أبي من كبار تجار البصرة، تسرى جارية له حبشية فولدتني له ومنها أخذت سواد اللون.

ابن المبارك: كأنك كنت حرًا في الأصل؟

ميمون: ومن أسرة ذات غنى وجاه.

ابن المبارك: فهل خطفك اللصوص وأنت صغير فاسترقوك وباعوك؟

ميمون: كلا ما خطفني ولا استرقني أحد.. ولكني خطفت نفسي وأنا شاب في العشرين واسترققت نفسي ثم بعت نفسي.

ابن المبارك: كيف يا ميمون؟

ميمون: غادرت البصرة دون أن يعلم أبي أو أحد من أهلي ولحقت بمكة فاتفقت مع رجل من أهلها، فزعم أني عبد وباعني لعبد المولى المدنى الذي اشتريتني منه.

ابن المبارك: وما حملك إلى ذلك ويحك؟

ميمون: الرغبة في الوصول إلى الله.

ابن المبارك: بأن جعلت نفسك عبداً وأنت حر؟

ميمون: أجل. لأقهر نفسي وأذيقها المذلة والهوان ولا أعبأ بأي شيء في الدنيا وأكون من الثلاثة الذين يدخلون الجنة أول الناس كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة.

ابن المبارك: الشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال.

ميمون: أجل. سمعت هذا الحديث وأنا في البصرة فقلت لنفسي لأكونن العبد المملوك الذي لا يشغله رق الدنيا عن طاعة ربّه.

ابن المبارك: أهذا كل ما هناك يا ميمون؟

ميمون: كلا. كان هذا بداية الطريق وقد أتاح لي ألوانا من المتاعب والمشاق وصنوفا من المحن كابدتها صابراً محتسباً غير متبرم ولا متضجر، أحمد الله عليها كما يحمده غيري على النعمة والعافية، فالغلمان الذين عند سيدي كانوا يسخرون من حرصي على صلاة الجماعة في المسجد الحرام ويحرضون السيد على منعي من ذلك حتى لا يتعطل عملي فيما يزعمون.

ابن المبارك: فهل استجاب لهم السيد؟

ميمون: نعم استجاب في أول الأمر، فمنعني ولكن لم أمتنع فضربني بالسياط فلم أبال بالضرب حتى ضاق بي ذرعا فتركني وقاله لي: لن أطعمك بعد اليوم فاكسب قوتك بنفسك. فصرت أعمل في فتل الشريط وأبيعه فأكسب منه دانقاً أو نصف دانق أو أقل أو أكثر، فهو قوتي إن بعت وإلا طويت ذلك اليوم.

ابن المبارك: لكني وجدته يحبك ويعزك ويتبرك بموضعك من داره.

ميمون: هذا بعد ما اتفقت على ألا أرزأه شيئا وبعد ما استطعت أن أصلح من غلمانه، فأصبحوا لا يتعاركون فيما بينهم ولا يسرقون من ماله ولا يلعبون القمار ولا يسكرون ولا يتعرضون للجواري اللاتي عنده.

ابن المبارك: وكيف استطعت أن تصلحهم وهم كانوا ضدك؟

ميمون: بالصبر والتضحية وإنكار الذات واحتمال المكاره، والصفح والمسامحة وطلاقة الوجه والبشاشة

ابن المبارك: كان هذا شأنك مع غلمانه فكيف كان شأنك مع جواريه؟

ميمون: لا بد أن عبد المولى حدثك عن مراودتي لجاريته زيتونة.

ابن المبارك: أجل. فلم استطع أن أصدق كلامه.

ميمون: كانت محنتي بتلك الجارية مفتاح الصلة بيني وبين الله، ذل لي بعدها كل صعب وانكشف لي بعدها كل حجاب.

ابن المبارك: كيف يا ميمون؟ حدثني إذن عن هذه المحنة بالتفصيل ولا تجمل.. .......

زيتونة: ها نحن أولاء وحدنا فماذا تنتظر؟

ميمون: كلا. لسنا وحدنا يا زيتونة.

زيتونة: أتخشى أن يدخل علينا أحد؟ هذه حجرتي وهي لي خاصة ونحن في نصف الليل والجميع نيام يغطون؟

ميمون: أنا أعني ذاك الذي لا ينام يا زيتونة.

زيتونة: الله عز وجل؟

ميمون: نعم

زيتونة: هذا معنا في كل مكان ولا سبيل إلى الاستتار منه فعليه أن يغفر لنا هذه المرة الواحدة.

ميمون:إني أخجل منه يا زيتونة، ولا سبيل إلى هذا الأمر مع الخجل.

زيتونة: ويلك علام الخجل؟ ألست رجلاً؟ ألا تراني جميلة؟ أنظر

ميمون: استري نفسك يا زيتونة واعلمي أني لن آتي الحرام أبدا، ولو قطعتني شلوا شلوا.

زيتونة: لو كنت تريد الحلال لطلبتني من سيدي فزوجني لك.

ميمون: قلت لك مراراً يا زيتونة إني لا أستطيع أن أتزوج.

زيتونة: ويلك يا هذا، لقد أذللتني وأهنتني، فوالله لئن لم تستجب لي الآن لأقولن لسيدي أنك راودتني عن نفسي.

ميمون: افعلي ما شئت يا زيتونة، يغفر الله لك

............. 

ميمون: أجل هذا بعض ما وقع يا سيدي من زيتونة.

ابن المبارك: ولكن لماذا اعترفت على نفسك ولم تكذب الجارية

ميمون: لأصون سمعتها.. عسى أن تهتدي في النهاية.

ابن المبارك: تصون سمعتها وتلوث سمعتك؟

ميمون: أردت بذلك وجه الله يا سيدي فكان مفتاح القرب منه والوصول إليه. دعني الآن يا سيدي أمضي لما أنا ماضي إليه.

-5-
( في دار الفضيل)


الفضيل: ولم تراجعه يا ابن المبارك في ذلك؟

ابن المبارك: استحييت أن أراجعه مرة أخرى بعد الوعد الذي قطعته له.

ابن عيينة: ولو كنت مكانك يا ابن المبارك لرويت له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يتمنين أحدكم الموت فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وأمتني إذا كان الموت خيرا لي"

ابن المبارك: ويحك يا سفيان بن عيينة أو تظن هذا الذي كشف الله عنه الحجاب غافلاً عن المعنى الذي في حديث رسوله؟

الفضيل: ثم ماذا فعل بعد ذلك يا ابن المبارك؟

ابن المبارك: قام فصلى ركعتين خفيفتين كأنها صلاة الوداع ثم اضطجع على الأرض جاعلا وجهه إلى الكعبة وهو يقول:

ميمون: إلهي كما كشفت اليوم سري للناس فاسترني بلقائك. إلهي إن كنت تحبني بعد كما أحبك فاقبضني إليك الساعة.. الساعة.. الساعة..

ابن المبارك: فدنوت منه وحركته فإذا هو قد مات.

الفضيل وابن عيينة: إنا لله وإنا إليه راجعون.

(ستار)

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815532 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017