المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
زوجتان صالحتان


-1-
في بيت أم حكيم و عندها ابنة عمها الفاختة.
أم حكيم: إياك يا بنت عمي أن تتبعيه حتى يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدًا عبده و رسوله.
فاختة: لعلي إن تبعته أن أعطف قلبه إلى الإسلام.
أم حكيم: كلا يا فاختة إنك إن تبعتيه فسيحاول هو أن يفتنك عن دينك.
فاختة: معاذ الله أن أفتن عن ديني و لو انطبقت السماء على الأرض.
أم حكيم: فالرأي إذن أن نسري على موقفك منه حتى يفيء إلى الحق و يدخل فيما دخل فيه الناس من دين الله.
فاختة: أخوف ما أخافه أن يرتحل عن البلد كما فعل عكرمة زوجك فلا يرجى له أن يفيء إلى الحق.
أم حكيم: ماذا يحمل صفوان على ذلك؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم-- ينذر دمه كما نذر دم عكرمة.
(يدخل صفوان بن أمية دون استئذان).
أم حكيم: ماذا جاء بك يا صفوان؟
صفوان: عجبًا يا أم حكيم أهكذا تحيين زوج ابنة عمك؟
أم حكيم: لست اليوم زوجها يا صفوان.
إن الإسلام قد حال بينها و بينك. 
صفوان: هبيني زائرًا أفهكذا تحيين الزائر في بيتك؟
أم حكيم: كلا ما أنت بزائر لنكرمك وإنما أنت شيطان تريد أن تحملها على الكفر بعد أن أكرمها الله بالإسلام.
صفوان: هل يجمل بك يا فاختة أن تدعي بنت عمك هذه تتطاول علي؟
أم حكيم: ومن أنت يا صفوان بن أمية؟
صفوان: أنا من المطعمين في قريش إن كنت تجهلين.
أم حكيم: قد أبطل الله مآثر الجاهلية و أذل كبرياءها فإن كنت تروم شرفًا فدونك الإسلام.
صفوان: ألا تتكلمين أنت يا فاختة فتسكتي بنت عمك؟
أم حكيم: إنها لن تكلمك أبدًا.
صفوان: فاختة؟
أم حكيم: لقد أقسمت بالله لا تكلمك أبدًا حتى تؤمن بالله و رسوله.
صفوان: أحقًا يا فاختة؟
فاختة: (تومئ برأسها أن نعم دون كلام)...؟
أم حكيم:ألم أقل لك؟
صفوان: (محتدًا) يا هذه هلا اهتممت بزوجك خيرًا لك؟ أليس عكرمة أحق مني بوعظك هذا و إرشادك؟
أم حكيم: وأين عكرمة مني ويلك؟
صفوان: (ساخرًا) لعله نجا بنفسه خوفًا منك أن تفتنيه عن دين آبائه!
أم حكيم: (في صرامة) صفوان. ليس من المروءة أن تقول هذا عن صاحبك إنك تعلم لماذا نجا عكرمة بنفسه و هرب.
صفوان: لأن محمدًا نذر دمه فيمن نذر.
أم حكيم: فلتقل في عكرمة خيرًا أو فلتصمت فأنت تعلم أنه رجل كريم.
صفوان: إن كنت تحبينه بعد فقد كان عليك أن تتبعيه حيثما ذهب.
أم حكيم: لو أعلم أين توجه لاقتفيت أثره.
صفوان: إنه توجه صوب اليمن.
أم حكيم: و كيف عرفت؟
صفوان: أنا الذي جهزته يا أم حكيم.
أم حكيم: والله لأذهبن الساعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم-- ليأذن لي في اللحاق به.
صفوان: ويحك إن علم محمد بوجهته ليرسلن في طلبه حتى يظفر به فيقتله.
أم حكيم: يا صفوان إن محمدًا أكرم من ذلك.
صفوان: ليتني ما أخبرتك. لقد جنيت على صاحبي والله.
أم حكيم: قلت لك إن محمدًا أكرم من ذلك.
صفوان: إن كنت تحبين زوجك حقًا فلا تعرضيه للهوان و القتل.
أم حكيم: قد استأمنت له من محمد فأمنه.
صفوان: أمنه، أمن عكرمة بن أبي جهل؟
أم حكيم: أجل لو كان أبو جهل نفسه حيًا اليوم و التمس الأمان من محمد  لأمنه.
(لفاختة) أنا ماضية يا فاختة (تتهيأ للخروج).
فاختة: خذيني معك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صفوان: ابقي قليلاً معي يا فاختة.
فاختة: (تهم بالكلام ثم تتذكر يمينها فتلتفت إلى أم حكيم) هيا بنا يا أم حكيم (تخرج أم حكيم و فاختة).
صفوان (يتمتم) إلا أن أمرًا حال بيني و بين فاختة لأمر كبير!
-2-
(في مكان ما على الطريق إلى اليمن).
(أم حكيم تنظر في وجوه أهل قافلة أناخت بذلك المكان كأنها تبحث عن عكرمة)
أم حكيم: (تلمح وجه عكرمة) عكرمة!
عكرمة: (ينهض إليها) أم حكيم، (ينتحي بها بعيدًا عن القوم) ماذا جاء بك إلى هذا المكان القصي؟
أم حكيم: السعي إليك يا عكرمة، ويحك أتظن أنني أستطيع العيش بغيرك؟
عكرمة: لا حق لك أن تتجشمي هذه المشقة من أجلي..من أجل رجل قد نذر دمه فليس له إلا الهرب إلى أقصى البلاد.
أم حكيم: إلى اليمن؟
عكرمة: كيف علمت؟ من ذا أخبرك؟
أم حكيم: أخبرني الذي أخبرني.
عكرمة: صفوان بن أمية؟
أم حكيم: نعم.
عكرمة: تبًا له.
أم حكيم: بل تبًا لك أنت. هل يجمل بك يا ابن عمي أن ترحل هذا الرحيل الذي ربما لا تؤوب منه أبدًا دون أن تودع زوجتك التي تحبك؟
عكرمة: ما حيلتي يا بنت العم؟ لقد استولى محمد على مكة و نذر دمي في من نذر فلم أشأ أن أشركك في مصير كنت وحدي صاحب التبعة فيه.
أم حكيم: بل كنت شريكتك في ذلك يا عكرمة. أنسيت أنني خرجت معك يوم أحد؟
عكرمة: ذاك يا بنت عمي يوم كان لنا الحول و القوة.
أم حكيم: تبًا لك. أو قد هان عليك أن تفارقني إلى غير لقاء؟
عكرمة: لا و رب هذا البلد الذي استولى عليه محمد إن فراقك علي لشديد و لكن ماذا أصنع؟ إنه قاتلي لو بقيت. و لخير لي أن أعيش بعيدًا عنك عسى أن ألقاك يوماً ما من أن أقتل بين يديك فتلبسي الحداد علي.
أم حكيم: ويحك يا عكرمة، ما كان ينبغي لك أن تيأس من عفو محمد فقد عفا عن الكثير ممن كانوا أعداءه.
عكرمة: كلا ليس أحد منهم مثلي، لقد كنت أشد الناس أذية لمحمد و عداوة له و كان أبي عدوه الألد حتى لقبه محمد و أصحابه بأبي جهل.
أم حكيم: إنك مازلت تنظر في محمد رجلاً من قريش انتصر على قومه فهو يعاقب من يشاء و يعفو عمن يشاء.
عكرمة: مهما يكن من شأنه فلا يعدو أن يكون كذلك.
أم حكيم: كلا يا عكرمة إنه نبي يوحى إليه و هدى للناس و رحمة.
عكرمة: قد علمت أنك صبأت يا أم حكيم.
أم حكيم: بل أسلمت و آمنت أن لا إله إلا الله و أن محمدًا رسول الله و مصطفاه.
عكرمة: فمن الخير ألا تصلي حبالك بحبال رجل لا يؤمن لا يؤمن كما آمنت.
أم حكيم: ويلك يا ابن عمي ألمثلي تقول هذا القول؟ ألم تكن تحبني يا عكرمة؟ ألم أكن أحبك؟
عكرمة: بلى والله و من أجل ذلك تركتك و ما اخترت لنفسك من هذا الدين الجديد.
أم حكيم: لست والله أولى به منك يا عكرمة. أنت بما وهبت من عقل و حكمة أجدر أن تتبع الهدى و تدعوني أنا إليه. أنشدك الله يا ابن عمي بيننا من مودة و رحمة، ألم يلق في روعك بعد أن محمدًا على حق فيما دعا إليه و أنه يدعو إلى الخير و الهدى و الرشاد.
عكرمة: أما و قد حلفتني بأعز شيء عندي فوالله لأصدقنك الحديث، إني لأعلم يا أم حكيم أن محمدًا كما وصفت. 
أم حكيم: فما يمنعك أن تعلن ذلك له و تدخل فيما دخل فيه الناس؟
عكرمة: بعد ما أهدر دمي يا أم حكيم؟
أم حكيم: أو هذا وحده هو الذي يمنعك؟
عكرمة: نعم.
أم حكيم: فالحمد لله إذن. إنك عائد معي إلى محمد يا عكرمة.
عكرمة: ماذا تعنين؟
أم حكيم: إني جئتك يا ابن عمي من عند أفضل الناس و أبر الناس و خير الناس، قد استأمنت لك منه.
عكرمة: ورضي أن يؤمنني؟
أم حكيم: بل فرح يا عكرمة وتهلل وجهه.
عكرمة: إن يكن ما تقولين حقًا فوالله ما يصدر هذا إلا عن نبي؟
أم حكيم: فهلم يا عكرمة نسرع بالعودة.
-3-
(في مكة. صفوان بن أمية و فاختة)
صفوان: أتدرين يا فاختة أن حبك في قلبي قد زاد فصار أضعاف ما كان؟
فاختة: بعدما هداك الله للإسلام.
صفوان: أجل.
فاختة: فلتحب محمدًا-صلى الله عليه وسلم- خيرًا مني يا صفوان.
صفوان: والله إني لأحبه. لقد شهدت حنيناً وما في الأرض أبغض إلي من محمد وانصرفت من حنين وما في الأرض أحب إلي منه.
فاختة: (ممازحة) لأنه أجزل لك العطاء من غنائم هوازن؟
صفوان: لا والله يا فاختة. إن المال لا قيمة له عندي كما تعلمين ولكن ما شهدت من شجاعته و ثباته لما حمي الوطيس وانهزم عنه الناس فبقي وحده في نفر قليل و هو يقول في صوت قوي مطمئن: إلي أيها الناس إلي أيها الناس أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. حتى فاء المسلمون إليه فكروا على المشركين. حينئذ أيقنت يا فاختة أنه نبي مرسل من عند الله.
فاختة: الحمد لله يا صفوان إذ جمعنا على الهدى و الحق.
صفوان: لولاك يا فاختة لما قدر لي أن أشهد حنيناً و لما خالط قلبي الإسلام فأنت يا حبيبتي صاحبة الفضل.
فاختة: بل الفضل لأم حكيم يا صفوان. هي التي شجعتني على ذلك الموقف الذي وقفته منك. و أكدت لي أنك لا تلبث أن تفيء إلى الحق.
صفوان: لله درها من امرأة صدق.
فاختة: ترى في أي صقع من الأرض هي الآن، لقد مر على سفرها اليوم شهران و لم نسمع عنها شيئًا.
صفوان: إنها شقة بعيدة يا فاختة.
فاختة: أخشى أن تكون قد ضلت الطريق أو لقيت فيه ما تكره.
صفوان: اطمئني يا فاختة فإني قد أوصيت بها رجالاً أعرفهم كانوا يقصدون اليمن.
فاختة: سمعت يا صفوان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد اعتزم السفر قافلاً إلى المدينة.
صفوان: أجل…بعد يومين أو ثلاثة فيما سمعت…استعدي يا فاختة فسننضم نحن إلى ركبه.
فاختة: ألا ننتظر أم حكيم و زوجها حتى يقدما إلى مكة؟
صفوان: لا يا فاختة. خير لهما أن نسبقهما إلى المدينة لنهيئ لهما ما يجب.
-4-
(في المدينة المنورة بعد رجوع النبي-صلى الله عليه وسلم-إليها من فتح مكة و غزوة حنين).
صفوان: (يدخل بيته في المدينة) أبشري يا فاختة.
فاختة: أو قد رجعت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صفوان: نعم.
فاختة: حدثني ماذا فعل عكرمة في المسجد و كيف لقيه النبي صلى الله عليه وسلم ؟
صفوان: أوجز لك أم أسهب؟
فاختة: بل أسهب يا صفوان حتى كأنني أشهده معك.
صفوان: إني لجالس عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه إذ دخل عكرمة لائذاً بأم حكيم فوقف بعيدًا و صاح: يا محمد هذه أخبرتني أنك أمنتني فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: (صدقت أم حكيم إنك آمن). فتقدم عكرمة و هو يقول: إذن فهاكها يا نبي الله كلمة أعلنها من قلب مخلص: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنك عبده و رسوله. فوثب النبي قائمًا و هو يتهلل فرحًا و استنار وجهه كأنه القمر و قال: (مرحبًا بمن جاء مؤمناً مهاجرًا)  
فاختة: طوبى لعكرمة لقد لقي من تكرمة النبي ما لم يلقه أحد.
صفوان: انتظري... ليس هذا كل ما هناك.
فاختة: حدثني ماذا حدث بعد؟
صفوان: لحظ النبي أن عكرمة ظل مطأطئاً رأسه من شدة الحياء فقال مطيباً خاطره يا عكرمة ما تسألني شيئاً أقدر عليه إلا أعطيتك إياه.
فاختة: (في اهتمام بالغ) فماذا طلب عكرمة منه؟
صفوان: قال عكرمة استغفر لي كل عداوة عاديتكها يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو منطق تكلم به).   
فاختة: هذا حظ لعكرمة لا مزيد عليه.
صفوان: انتظري... ليس هذا كل ما هناك.
فاختة: ماذا أيضًا؟ حدثني.
صفوان: سمعت الحاضرين يتناجون فيما بينهم: هذا تأويل رؤيا النبي -صلى الله عليه وسلم- فسألتهم عنها فحدثوني أن النبي كان قد رأى فيما يرى النائم أنه دخل الجنة فرأى عذقاً فأعجبه و سأل لمن هذا؟ فقالوا لأم حكيم و عكرمة. فقال لهم: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة فازدادوا عجبًا. فلما جاء عكرمة اليوم مسلماً أدركوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أول رؤياه بإسلام عكرمة.   
فاختة: (كأنها تتذكر شيئًا) و أين هما الآن؟ أين عكرمة و أم حكيم، لماذا لم يحضرا معك؟
صفوان: تركتهما واقفين مع أخيك خالد بن الوليد و عجلت إليك لأبشرك.
فاختة: لعلك دعوت خالدًا للغداء معنا اليوم؟
صفوان: بل سبقني أبو سليمان فدعا نفسه.
(يقرع الباب) هاهم أولاء قد جاؤوا.
(يفتح صفوان الباب) فيدخل عكرمة و أم حكيم و خالد بن الوليد.
(تتعانق فاختة و أم حكيم في فرح كما يتعانق صفوان و عكرمة ). 
خالد: (ينظر إليهما و هو يضحك) ويلكم تركتموني من دون ترحيب و لا تأهيل.
صفوان: معذرة يا أبا سليمان لقد شغلنا الفرح عن ذلك.
فاختة: (تحيي أخاها) مرحبًا بك يا خالد.
خالد: أي والله ما شهدت كاليوم سرورًا و بهجة. هذا يوم من أيام مخزوم.
صفوان: لله در نسائكم يا بني مخزوم، يسبقن أزواجهن إلى الإسلام ثم يجاهدن حتى يفيء أزواجهن إلى الإسلام.    
خالد: الحمد لله (يلتفت إلى عكرمة) كيف تجد نفسك الآن يا عكرمة؟
عكرمة: (في تأثر شديد) ماذا أقول يا أبا سليمان؟ أجدني كأنما ولدت من جديد حين وضعت يدي في يد خير الناس و أبر الناس و أكرم الناس.
(ستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815034 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017