المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
الخمــار الأسـود

ـمسكين الدارمي في منزله بالمدينة المنورة وعنده صديق له
تاجر من العراق يدعى سليمان البغدادي).

الدارمي : لقد أحسنت يا أخي إذ اعتكفت اليوم معي في المسجد.
سليمان : الحق يا مسكين إني ما اعتكفت حسبة لله ولكن لم يبق لي من عمل في السوق فرأيت أن أقضي النهار في المسجد بقربك.
الدارمي : لو غيرك قالها يا سليمان! هلا قلت إنك اعتكفت شكراً لله تعالى على ما يسر لك من بيع ما عندك من البضاعة في أيام قلائل؟
سليمان : من قال لك إني بعت ما عندي؟
الدارمي : هل بقى من ذلك شيء؟
سليمان : بقيت الخمر السود كلها لم تمس وهي أربعة أخماس البضاعة.
الدارمي : ما حملك على الاستكثار من هذا اللون؟
سليمان : رأيت النساء عندنا في العراق قد دأبن هذا العام على استجادته وإيثاره فقدرت أنه سيعجب نساء المدينة أيضاً لما أعهد فيهن من حسن الذوق.
الدارمي : فقد خانك التقدير هذه المرة يا سليمان!
سليمان : كلا ما خانني التقدير ولكن خانني الحظ. يخيل إلى يا صاحبي أن الله لا يفتح أبواب رزقه إلا على من يتهاون في طاعته!
الدارمي : ويلك ما تقول؟
سليمان : ألا تذكر كيف كنت محظوظاً فيما مضى، أشترى التراب فأربح منه الذهب؟
الدارمي : بلى.
سليمان : ذاك أيام كنت أشرب وأطرب، فمنذ انقطعت عن ذلك وحذوت حذوك ما رأيت خيراً قط!
الدارمي : ويلك هذا من وسواس الشيطان.
سليمان : إن كنت تزعم أن هذا من وسواس الشيطان فخبرني كيف أدفعه. لقد ساءت أموري في العراق حتى كدت أفقد ثقة الناس بحالي هناك، فجمعت من هذا ومن ذاك ووضعته كله في هذه السلعة رجاء أن أكسب منها ما يصلح حالي، وها قد خاب اليوم رجائي ولم يبق إلا أن أعود إلى العراق لأعلن إفلاسي هناك.
الدارمي :  ويحك أو قد بلغ الأمر إلى ما ذكرت؟
سليمان : بل أسوأ من ذلك، ولا غرو بعد أن سمعت نصحك فجعلت شعاري التقوى  والصلاح!
الدارمي : وما شأن التقوى والصلاح في تجارتك؟ ويحك أنهما لأجدر أن يعيناك على صلاح أمرك.
سليمان : فغير هذا هو الذي كان. وإلا فأرشدني إلى خطة تنقذني من هذه الورطة.
الدارمي : كيف أرشدك في أمر أنت به أعرف؟
سليمان : لقد بدا لي أن لو شئت لنفعتني فإن ذلك في وسعك.
الدارمي : كيف؟
سليمان : إن لك عند أمير المدينة جاهاً ومكانةً، فلو شفعت لي عنده ليبتاع مني هذه الخمر السود..
الدارمي : ما أحسب أن لي اليوم هذه المكانة عند هؤلاء.
سليمان : أتظنهم قد نسوا تأييدك لبيعة يزيد بن معاوية وقولك.
إذا المنبر الغربي خلاه ربه
 
 فإن أمير المؤمنين يزيد؟

  والله لولا بارع قولك هذا ما جرؤ ابن أبي سفيان أن يعلنها في الناس!
الدارمي : يا ويلتا.. هذا والله الحوب الذي لا أدري كيف ألقى الله به، وإني لأستغفر الله منه الليل والنهار.
سليمان : استغفر من ذلك ما شئت ولكن أعنى بجاهك عندهم فلا خير في صداقتك إن لم تنقذني من الإفلاس وأنت قادر.
الدارمي : هبني فعلت الذي تقول أفترى الأمير يشترى كل هذه الصفقة منك؟ ماذا يصنع بها ويحك؟
سليمان : يشتريها لبيت المال فيفرقها على الفقيرات والمسكينات.
الدارمي : لبيت المال! كلا والله يا صديقي لا أغمس يدي في دماء المسلمين!
سليمان : أي جناح في ذلك؟ لن نسرق بيت مال المسلمين، وإنما سنبيع له ما يحتاج إليه.
الدارمي : لو كان في حاجة إلى بضاعتك لابتاعها منك دون أن أشفع لك.
سليمان : (غاضباً) دعني من هذا. قد علمت أنك لا تحب معاونتي. هذا فراق بيني وبينك! (ينهض لينصرف).
الدارمي : (يستوقفه) مهلاً يا سليمان.
سليمان : كلا، لا تراني ولا أراك!
الدارمي : أمهلني قليلاً لأرى كيف أدبر هذا الأمر لك.. أبق قليلاً عندي.
سليمان : كلا لا أبقى حتى تعدني بالموافقة.
الدارمي : قد فعلت فاهدأ وذرني أفكر في أمرك.
سليمان : فيم تريد أن تفكر بعد؟
الدارمي : في رخصة أسوغ بها عملي.
سليمان : معونة أخ على شفا الإفلاس ويوشك أن يفتنه الشيطان عن صلاحه وتقواه.
الدارمي : (يطرق هنيهة ثم يرفع رأسه) أصغ الى يا سليمان.
سليمان : نعم.
الدارمي : إني سآتي من أجلك بعض مالا يجمل بي، فهل لك إذا نفقت لك هذه البضاعة كلها أن تجعل لي شيئاً من ربحك فأتصدق به كفارة لي؟
سليمان : لا بأس.
الدارمي : كم تجعل لي؟
سليمان  : ربع ما أربح.
الدارمي : هذا قليل.
سليمان : كلا ليس الربع بقليل إنه سيبلغ خمسمائة دينار أو أكثر فوالله لتملأن بها بيوت فقراء المدينة براً وسمنا!
الدارمي : قد قبلت إذن يا تاجر!


ـ2ـ
(في صباح اليوم التالي وقد خلع الدارمي ثياب نسكه عنه
ولبس زي الفتيان فتدهش زوجته "جليلة" إذ رأته كذلك)
جليلة : ما هذا الذي صنعت بنفسك يا رجل؟
الدارمي : تعنين هذه الثياب التي علي؟
جليلة : نعم، أفتريد أن تخرج هكذا إلى الناس؟ ماذا يقول الناس عنك؟
الدارمي : سيقولون: رجع الدارمي إلى مجونه القديم وترك نسكه وعبادته!
جليلة : أو يسرك أن يقولوا ذلك؟
الدارمي : ليقولوا ما يشاءون. لقد رأيت أن أعود إلى شأني الأول فإنه بي أشبه.
جليلة : يا ويلتا.. أصبوة بعد توبة؟ أو تريد أن تعود إلى مجالس الشراب والغناء كدأبك فيما سلف؟
الدارمي : نعم، ولكن ثقى يا جليلة أنني لن أرتكب أي محرم.
جليلة : والخمر؟
الدارمي : لن أشربها يا جليلة.. لم يعد لي أرب في الشراب.
جليلة : فما أربك إذن؟
الدارمي : الشعر والسماع.. أشتهي أن أسمع الغناء وأقول الشعر.
جليلة : في التشبيب بالنساء؟
الدارمي : (ضاحكاً) وهل يجود الشعر إلا في ذلك؟
جليلة : يا ويلي.. أي شيء دهاك يا مسكين؟ كيف تترك قرآنك وتعود إلى هذا اللغو؟
الدارمي : لا تبتئسي يا جليلة فعما قريب سأعود إلى قرآني ونسكي كرة أخرى.
جليلة : هيهات.. هذه نكسة أصابك بها الشيطان وقلما يشفى من نكس!
الدارمي : سترين غداً وتعجبين.
جليلة : يا هذا لا تخدعني عن حقيقة مذهبك. لتنقلبن إلى حالك الأولى فتقضى نهارك في التشبيب بهذه وتلك من خليعات الجواري ثم تعود لي في أعقاب الليل مخموراً هاذياً. والله لا أصبر على هذا.. والله لألحقن بأهلي!
الدارمي : كلا لا تفعلي يا جليلة. أمهليني بضعة أيام.
جليلة : ابغ امرأة غيري لتعيش معك! والله لا يظلني معك سقف! (تخرج جليلة من عنده لتجمع ثيابها فتلحق بأهلها).
الدارمي : (وحدة) لا حول ولا قوة إلا بالله.. كل هذا من أجلك يا سليمان!

ـ3ـ
(مجلس غناء في دار أبي أيمن من سراة أهل المدينة وعنده
 جماعة من ندمائه وبينهم جاريته المغنية لمياء تطربهم
 وقد غنتهم شيئاً من شعر الدارمي)
الندماء : أحسنت يا لمياء! هذا والله هو السحر!
لمياء : ويحكم إنما الفضل لابن سريج.
أبو أيمن : أي والله لقد أبدعت يا ابن سريج!
ابن سريج : أي فضل لي في ذلك؟ هذا الشعر الرائع هو الذي ألهمني هذا اللحن!
أحدهم : صدقت.. ليس أرق من شعر هذا الدارمي ولا أفعل في النفس.
ابن سريج : إني لأعد عودته للشعر من أعظم نعم الله على أهل هذه البلدة.
آخــر : من كان يظن أن الدارمي سيعود إلى حاله الأولى بعد ما تاب وتنسك؟
ابن سريج : لا ريب عندي إن الله أراد بنا خيراً إذ رده عن نسكه وتعبده، فقد علم عزوجل أن مثله في النساك كثير ولكن مثله في الشعراء قليل.
أحدهم : أنظروا.. هاهو ذا قد أقبل!
أبو أيمن : (ينهض لاستقباله) مرحباً بك يا دارمي.. أدخل على الرحب والسعة!
الدارمي : (يدخل) السلام عليكم.
الجميع : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
أبو أيمن : هلم اجلس هنا في الصدر! هات الشراب يا غلام!
الدارمي : (يجلس) أعفوني من الشراب.
أبو أيمن : فيم يا دارمي؟ لابد أن تشرب لتطرب.
الدارمي : إذا شئتم أن أجلس معكم فنحوا الشراب عني وإلا انصرفت.
ابن سريج : دعه يا أبا أيمن ولا تعزم عليه بما لا يحب.
أبو أيمن : كما يشاء ويريد، هاتي يا لمياء!
لمياء : (تغني وابن سريج يعزف لها على عوده):  
يلومونني أني صبوت، ولو رأوا
 
 عيونك إذ أصمينني لرأوا عذري!

  
إذن لتواصوا بي ورقوا لحالتي
 
 ولاموك يا ذات الصدود على هجري!

الندماء : الله أكبر! لا فض الله فاك يا دارمي!
ابن سريج : ولا أعادك إلى المسجد! (يضحكون).
الدارمي : ويلكم! أهذا جزائي عندكم أن تدعوا علي؟
ابن سريج : كلا والله ما دعونا عليك بل دعونا لك!
الدارمي : سامحكم الله.. الله أعلم حيث يجعل توبته.
ابن سريج : أجل فلن يجعلها في قلب شاعر مثلك أبداً! (يضحكون).
لمياء : هل لك الآن يا دارمي أن تخبرنا من ذات العيون هذه التي أصمتك؟
الندماء : نعم.. قل لنا بحياتك من هي؟
الدارمي : ويحكم، ألم أقل لكم إني لن أبوح باسمها أبداً؟ ما شأنكم بها؟ ماذا تريدون من ذلك؟
أبو أيمن : نريد أن نزجي إليها الشكر والثناء على ما ردتك إلى صوابك!
الدارمي : بل إلى ضلالي القديم. ما أخالها تستحق الثناء على هذا.
لمياء : دعوه.. غداً نعرف من هي صاحبته! ألم تقل شيئاً جديداً يا دارمي؟
الدارمي : بلى قد قلت شيئاً في هذا المعنى.
الندماء : فهات أنشدنا!
الدارمي : 
تساءل الناس من تلك التي تبلت
 
 قلبي لواحظها؟ الله للناس!

  
الندماء : الله للناس!
الدارمي : 
هل يستطيعون لو سميتها لهمو
 
 أن يعطفوا أو يلينوا قلبها القاسي؟

  
الندماء : قلبها القاسي!
أبو أيمن : لله ما أبدع!
لمياء : اللحن اللحن يا ابن سريج!
ابن سريح : حبا يا لمياء وكرامة!

ـ4ـ
(في منزل الدارمي وعنده وفد من أصحابه النساك،
 قد جاءوا ليردوه عن ضلاله)

الدارمي : اقلوا على اللوم يا أصحابي!
أحدهم : كلا لسنا لك أصحاباً من اليوم.
الدارمي : غداً إن شاء الله تعرفون عذري.
أحدهم : أي عذر لك في هذا؟ والله لا نقبل لك عذراً حتى تعود إلى جميل حالك.
آخــر : إننا نحبك يا مسكين ونشفق عليك.
الدارمي : أما أنكم لمشكورون على نصيحتكم ولكن الله قال لنبيه:(إنك لا تهدي من أحببت). وأنا قد بلوت هذا السبيل وذاك فرأيتني أقرب إلى شأني الأول وأشبه به، فماذا أصنع؟ إن كنتم تحبونني حقاًَ فادعوا الله أن يهديني سواء السبيل.
أحدهم : كلا لا ندعو لمن أضله الله على علم. لو أنك بقيت على حالك القديم لكان ذلك أجمل بك. ولكن تحولك الآن وانصرافك عن صحبتنا إلى صحبة أولئك الفساق الماجنين يعني أنك تؤثرهم علينا!
الدارمي : ويحكم إني إن كذبتكم لا أستطيع أن أكذب نفسي ولا أن أكذب ربي. ما خير بقائي في المسجد إذا كان قلبي في مجالس الشعر والغناء؟ وما خير تلاوتي للقرآن إذا كان خاطري يختلج بالشعر وينازعني إلى السماع؟ ولكن عسى الله أن يتوب علي غداً بعد أن أقضي لبانتي من هذا الباطل، فيكون نسكي يومئذٍ نسكاً صحيحاً وتكون توبتي توبة نصوحاً.
أحدهم : هلموا بنا يا قوم فلا فائدة من نصحه. والله ما أشبهه إلا بإبليس الذي كان ملكاً من صالحي الملائكة حتى غلبت عليه الشقوة فصار من أضل الشياطين.
آخر : أجل قوموا بنا عنه (ينهضون لينصرفوا).
الدارمي : عفا الله عنكم.. الله من وراء علمكم محيط.

 


ـ5ـ
(مجلس غناء في دار أبي أيمن)

أبو أيمن : هيا أسمعيهم اللحن الجديد يا لمياء.
الندماء : نعم.. نشتهي أن نسمع اللحن الجديد.
لمياء : كلا لا أغنيه لكم حتى يأتيني الخمار الأسود.
ابن سريج : ويلك يا أبا أيمن ألم تبتع لجاريتك الخمار الأسود الذي تريده؟
أبو أيمن : قد بعثت الغلام في شرائه من أول الصباح ولا أدري ماذا أخره حتى الساعة.
ابن سريج : ما ضرك يا لمياء لو بدأت في غنائه ريثما يجئ الغلام بحاجتك؟
لمياء : كلا لقد حلفت لا أغنيه إلا إذا جاءني الخمار الأسود.
أحدهم : لعنة الله على هذا الغلام. أفنبقى هكذا بدون سماع حتى تشرق علينا طلعته؟
آخــر : ابشروا فهاهو ذا قد أقبل!
أبو أيمن : لحاه الله.. والله لأعاقبنه على تأخره.
الغــلام : (يدخل) هاهو ذا الخمار الأسود يا مولاي!
أبو أيمن : قبح الله وجهك الأسود! ماذا أخرك من الصباح يا لكع؟
الغــلام : مهلا يا مولاي.. أنظر إلى ردائي كيف تمزق؟
أبو أيمن : ويلك أأختصمت مع الغلمان فتشاغلت عن الحاجة التي بعثتك فيها؟ والله لأمزقن جلدك!
الغــلام : كلا يا مولاي ما اختصمت مع أحد ولكني ما تمكنت من شراء هذا الخمار إلا بعد جهد.
أبو أيمن : فيم ويلك؟
الغــلام : وجدت الناس مزدحمين على دكان التاجر العراقي يدفع بعضهم بعضاً، كل يريد أن يشتري قبل الآخر خشية أن تنفذ الخمر التي عنده.
ابن سريج : ها قد جاءك الخمار الأسود يا لمياء فغنينا.
لميـاء : (تختمر به) كيف ترونني في هذا؟
أبو أيمن : عجباً.. ما كنت أحسب أن سيكون للخمار الأسود كل هذا الحسن والرواء عليك!
ابن سريج : أصبحت والله كتلك المليحة التي وصفها الدارمي!
أحـدهم : أما إن الدارمي لذو ذوق!
الندماء : هاتي إذن يا لمياء غنينا اللحن الجديد.
لميـاء : عودك يا ابن سريج!
ابن سريج : عودي وروحي معه يا لمياء! (يعزف اللحن على عوده).
لميـاء : (تغني):
قل للمليحة في الخمار الأسود
 
 ماذا فعلت بناسك متعبد؟


قد كان شمر للصلاة ثيابه
 
 حتى وقفت له بباب المسجد!


ردى عليه صلاته وصيامه
 
 لا تقتليه بحق دين محمد!

أبو أيمن : (يصيح) قومي أرقصي به يا لمياء! هذا والله لا يطيب إلا بالرقص!
الندماء : أجل بحياتك يا لمياء أرقصى به!
أبو أيمن : خذي هذه الصنوج! (تعيد لمياء غناء الأبيات وهي ترقص بالصنوج وهم يصيحون من الطرب).

ـ6ـ
(في بيت أهل جليلة زوجة الدارمي)

الدارمي : هلمي يا جليلة إلى الدار فهأنذا قد عدت إلى ثياب النسك.
جليلة : انظرا يا أبوي إلى هذا الرجل العابث يدعوني اليوم للرجوع إلى بيته بعدما فضح نفسه وصار حديث الناس.
أم جليلة : نعم ما من أحد في المدينة إلا خاض في حديثه وتندر به.
أبو جليلة : هداك الله يا مسكين.. ماذا حملك على ما فعلت؟
الدارمي : سأقص عليكم الآن حقيقة حالي فتعرفون عذري.
جليلة : أي عذر لك في هذا ويلك؟
أم جليلة : دعينا يا بنتي نسمع ما يقول.
  (يسمع صوت غلام يتغنى في الطريق):
قل للمليحة في الخمار الأسود
 
 ماذا فعلت بناسك متعبد؟


جليلة : هأنت يا أماه تسمعين ما يقول. اذهب يا هذا إلى ذات الخمار الأسود صاحبتك!
الدارمي : يا هذه ما بي ذات خمار أسود ولا غيره.. إنما كل هذا..
جليلة : وذات العيون التي أصمتك والتي تقول فيها:
دعوها دعوها لا تروعوا فؤادها
 
 فأهون عندي أن تقوموا على قبري؟


الدارمي : يا هذه لو كان ذلك حقاً لما رأيتني اليوم حياً إلا أن تقومي على قبري معهم!
جليلة : وتلك التي لا تريد أن تبوح باسمها ولو قطعوا رأسك؟
الدارمي : ويحك كيف أبوح باسم من لا وجود لها البتة؟
أبو جليلة : ولكن ما حملك على كل هذا؟
الدارمي : ذلك ما جئت اليوم لأبينه لكم.
أم جليلة : ماذا عندك من بيان؟ هات!
الدارمي : ألا تعرفون صديقي التاجر العراقي سليمان؟
أم جليلة : بلى نعرفه.
الدارمي : ألم تروا كيف أقبل نساء المدينة على خمره السود العراقية حتى نفدت جميعاً؟
أبو جليلة : بلى.. حتى امرأتك هذه عزمت على فاشتريت لها واحداً منها.
الدارمي : هيه يا جليلة! أو قد أردت أن تكوني "المليحة في الخمار الأسود"؟!
جليلة : كلا، ولكني رأيت النساء أقبلن على هذه الخمر ففعلت مثلهن!
الدارمي : فمن أجل ذلك صنعت ما صنعت لكي أنفق لصاحبي العراقي خمره السود التي كانت كاسده!
أم جليلة : إذن فقد كان هذا قصدك؟
الدارمي : وهل يعقل عندك يا خالتي أن يكون لي قصد غيره؟
أبو جليلة : قاتلك الله يا مسكين. ما ألطف حيلتك! قومي اذهبي يا بنتي مع زوجك إلى داره!
أم جليلة : أجل يا جليلة قد وضح اليوم عذره.
جليلة : ويلك فهلا كنت أخبرتني بذلك من قبل؟
الدارمي : لو قد أخبرتك يا حبيبتي لفشا سري فما نجحت حيلتي! ( يتضاحكون).
أبو جليلة : صدقت والله.. لا سر لذات سوار!
أم جليلة : لا ريب أن صاحبك العراقي قد ربح كثيراً من سلعته.
أبو جليلة : أجل فإني ما تمكنت من شراء الخمار إلا بمشقة من شدة الزحام على دكانه.
الدارمي : نعم قد ربح مبلغاً طيباً حتى بعث إلى وكيله بالعراق ليرسل إليه المزيد من هذه الخمر.
أم جليلة : ألم يجعل لك شيئاً من ربحه جزاء ما صنعت له؟
الدارمي : بلى قد قبضت منه خمسمائة دينار.
الثـلاثة : (بصوت واحد) خمسمائة دينار!
أبو جليلة : أرأيت يا جليلة! أما إن بعلك لأريب!
أم جليلة : لا جناح عليه إذن فيما فعل!
جليلة : فأين هي.. أتركتها في الدار لتسرق؟
الدارمي : كلا يا جليلة لقد وضعتها بحيث لا يقدر أحد أن يسرقها مني.
جليلة : أين؟
الدارمي : عند الله عزوجل!
أبو جليلة : قد تصدق بها يا جليلة!
أم جليلة : تصدق بها؟!
الدارمي : نعم فرقتها على الفقراء والمساكين.
جليلة : (صائحة) وا بؤسي! ألم تترك لنا منها شيئاً؟
الدارمي : لا يا جليلة.
جليلة : ولا ديناراً واحدا؟
الدارمي : ولا ديناراً واحداً.
أم جليلة : والله ما أنصفت ولا بررت. كان ينبغي أن تستبقى شيئاً لنفسك ولأهلك.
جليلة : هل سمعت يا أبت.. أرأيت صاحبك هذا الأريب؟ (للدارمي) اذهب إذن وحدك لا آتي معك!
الدارمي : ويحك يا هذه.. لا بالمجون ترضين ولا بالنسك تقنعين. لقد أردت مني النسك فهذا سبيل النسك!
جليلة : وا شقائي بك ما جناً وناسكاً! مالك في هذا يرزؤه الشراب والغناء وفي هذا يرزؤه الفقراء والمساكين!
الدارمي : فأيهما خير عندك؟
جليلة : كلاهما والله شر!
أبو جليلة : اتقى الله ويلك يا جليلة! إن سبيل الله خير وأهدى. هيا انقلبي إلى دار زوجك فوالله إنه لنعم الزوج الصالح.
الدارمي : ولنعمت الزوجة الصالحة هي! أفلا ترينني يا جليلة خمارك الأسود؟
جليلة : فيم تريده؟ أتريد أن تتصدق به أيضاً؟
الدارمي : (يضحك) لا يا حبيبتي بل أشتهى أن أراك فيه!
جليلة : دعني من هنياتك!
أبو جليلة : أطيعي بعلك يا جليلة!
جليلة : هل أطاعني هو فأطيعه؟
أبو جليلة : قومي يا تماضر فأحضريه (تقوم أم جليلة فتخرج).
الدارمي : (يدنو من جليلة فيكلمها بصوت خافض) أما زلت غضبي يا جليلة؟
جليلة : لا أريد أن أكلمك!
الدارمي : يا حبيبتي إنما الدنيا متاع زائل وما عند الله خير وأبقى. والله لأنت عندي في طاعة الله خير من كل ما طلعت عليه الشمس!
أم جليلة : (تعود) هاهو ذا الخمار.
أبو جليلة : خذي خمارك فالبسيه لزوجك!
جليلة : (تختمر به) هاهو ذا قد لبسته فماذا يريد؟
الدارمي : (يرنو إليها) نفيس والله على نفيس!
جليلة : دعني من هذا!
الدارمي : أتدرين يا جليلة ما أنت؟
جليلة : هيه!
الدارمي : أنت المليحة في الخمار الأسود!
ستار


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3728496 عدد الزوار
912 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017